مع مين ضد مين قراءة في " الروح الطيبة " كتبها ا. حاتم مرعي

منذ صدور الديوان الأول للشاعر صالح الغازي ( نازل طالع زي عصاية كمنجة ) نلاحظ انتمائه إلي جماليات قصيدة النثر وشعر التسعينيات ، تخلي الشاعر عن القوالب الجاهزة والأشكال المجازية الكلاسيكية مقابل بناء القصيدة المشهدية التي تعتمد علي استخدام آليات فنون أخري ( بصرية – قولية ) ، اهتم في طرحة الشعري بالجزئي والهامش والحركي والذاتي ، والتعبير عن الواقع اليومي الشخصي والاحتفاء بالحواس ، نلاحظ هذا من  عنوان ديوانه الأول الذي يكشف لنا عدداً من الترابطات والتناقضات في الذات والمجتمع ، ففي قصيدة ( مدلدل رجليا بعاكس بجزمتي روس اللي قاعدين )، نلاحظ طول العنوان ومحاولة صناعة مشهد جزئي من هذا العنوان يتضافر مع المشهد الكلي للنص الذي يستدعي فيه الشاعر تجربة رحلة في قطار درجة ثالثة وهو يجلس علي رف الأمتعة فوق رؤس الركاب ويرصد عالم الدرجة الثالثة ، بداية من بائع الكوكاكولا وحتي البنت الصغيرة التي تصرخ في الزحام ، فمن خلال هذا المشهد البصري المحدود يرصد لنا هذا العالم الذي هو جزء منه لكنه لا يتفاعل معه بشكل أو بآخر ، يكتفي فقط بالمتابعة البصرية يقول     
 البنت 17 سنة بتصوت في الزنقة  

طبعا مش هارميلها حبل واشده  

عشان  أخدها جنبي أنشفلها عرقها ) 

     نلاحظ الموقف الانسحابي للذات الشاعرة ربما لقناعة الشاعر بأن زمن الشاعر المخلص والفارس قد ذهب بلا عودة لكنه يتحول في قصيدة أخري إلي موقف إنه إيجابي يتسم بالثورة والتمرد علي الواقع والرغبة في كشف زيف هذا الواقع للخروج به من حالة السكون والبلادة يقول في قصيدة بيتك بيتك

جيت لكم
 أنزع من راس الأشجار باروكتها
 أقطم كل العواميد  الواقفة زي الألف
أحرق كل الإطارات

وازووم

الديوان الأول للشاعر تجربة بها خبرة جمالية بالموروث الشعري ووعي بالطرح الجمالي للشعر الحداثي وفنيات قصيدة النثر إلا أنه لا يتخلي نهائياً عن وعيه بالموروث الموسيقي والتراتب الصوتي للكلمات والأحرف يقول ( إمسك عصاك عساك )
قصيدة بطاقة بريد ، ( يا خنقة العصفور الأخضر في ليل أغبر ) قصيدة قصيرة ربما ليؤكد أن تجربته الشعرية نتاج لهذه الموسيقى وإن اتخذت قوالب وأشكال أخري في ديوانه الثاني ( الروح الطيبة ) والصادر عن كتاب المرسم الإبداعي دار إيزيس سنة 2008 يسعي الشاعر إلي تأكيد تجربته وتحرير نصه من البلاغة الزائفة ليعبر عن إنسانيته الخالصة ويطرح أسئلته الخاصة بوجوده الحي .
·        النهاردة أنت مع مين ضد مين ؟ هذا السؤال الضمني في أول نصوص الديوان يضعنا في حيرة الإجابة فنحن بالفعل نحيا زمن التكتلات رغم عدم الانحياز لقيمة إيجابية ما يقول في بداية النص
دايما الجموع متعبة  

وكل واحد                              

ملزوم ينفرد بواحد  

يطلع في الباقيين عيوب الدنيا 

     ولو مالقاش حد   

ينفرد بنفسه    
     فالإنفراد بالأخر أو بالذات لا يعني غير الثرثرة والنميمة علي الأخرين وفي نفس النص يقول شايل معايا زمزمية متعبي فيها حكمتي المكبوتة مستني تحقيق قصيدة " في الطريق لتورتة الزفاف أسلي نفسي بتصليح عدسة نضارتي اللي بتتكسر قدام المواقف المستحيلة ) 
·        الشاعر هنا لا يلجأ للرموز والمجازات  وغير مشغول بالبحث عن معنى نهائي مع استدعائه لقصيدة من ديوانه الأول وهي في الطريق لتورتة الزفاف " هذا الاستدعاء والتداخل بين النصين يستدعي أيضا مراجعتنا لهذه القصيدة والتي يقول فيها وفي كل خطوه علي السجادة الطويلة     /     يلبسوا بعض ملابس الزفاف ، جرافته .. طرحة ، تخشي إيده  شعرها موده – يا سلام لما تملي تقاطعك عيني ، ورا الشيش بيتلصص عليهم ، يموتو في جلدهم ، ف ، يدور الفراش الملون حوالين راسهم " هذا الاستدعاء مرتبط بفكرة الزمن الحاضر أو اللحظة التي تقف فيها الذات عاجزة ووحيدة تسعي لتحقيق حلمها المشروع في الزمن الماضي لهذا نجد الشاعر يضع نفسه في اللامنطق  ويقدم لنا حكايته مستخدما  وسائل القص وتقنياته يقول

·        الست بتتخانق مع العربيات بحكمة شعرها الأبيض ، 

وبحنية واخدة جوزها تحت جناحها  

وبتعدي الشارع ، 

     لكل واحد الروح الطيبة ،  

اللي  ما بتتعاملش معاه علي إنه لوحة نشان ، 

     ممكن تكون قدام العين مستنيه تفتح    
نص " الروح الطيبة " الذي يصدره الشاعر بجملة افتتاحية منفصلة ( وجودي بيطغي علي كل شئ  يعطينا الايحاء بأن الكتابة ليست فقط للجسد والاتهام به علي اعتبار أن هذا هو ما يملكه الإنسان ويسعي لاكتشاف أسراره وخباياه ، فالإنسان أيضا روح قد تكون شريرة لكن هناك دائما الروح الطيبة والتي من الممكن أن تشرق وسط صخب الحياة وشرورها لا يعني هذا بالطبع أن الشاعر مهموم بتصدير فكرة الطيبة والتي ترادف في الوعي الشعبي السذاجة أو عدم الحرص أو العبط ، الروح الطيبة هنا قرار بعدم تعكير صفو الذات لسبب خارجي ما سيطرة الروح الطيبة بإرادة الذات هي السبب الحقيقي للفرحة 
يقول في قصيدة " الفرحة ألوانها كتير ، صـــ 16

 مشيت كتير ،

وفي كل لفة يتغالس عليك بياع الورد ،  

يا خدك من نفسك ، 

إنت ماكرهتوش ،

 إتعاملت معاه كأنه لون من الفرحة

قد تكون هذه السيطرة هي أيضا السبب الحقيقي للإحباط والاستسلام لبؤس الواقع يقول في قصيدة ( إنتظار ) صـ 23

 الأتوبيسات تخبط كتفها في كتفه ،

 وهو محافظ علي التكشيرة ،  

فارد جسمه بالعافية ، 

     عايزة منه إيه ؟  

     ياخدك بالحضن ويخلص 

     الوقت فات بسرعة 3 أتوبيسات راحت ورجعت  

ـ والشمس هانم
، ما سكه جزمه ،  

وبتديك فوق رأسك ، 

     إنت صعبان علي قوي   
     هذه الحالة الوصفية  للانتظار تحت الشمس الحارقة بالتأكيد تخلو من أي معنى للفرحة أو السعادة 
هل سيطرة الروح الطيبة علي الجسد هي السبب المباشر في الشعور بآلام هذا الجسد والقلق والاضطراب الذي يعانيه نتيجة سيطرة الروح الطيبة عليه ؟
·        نصوص الديوان تطرح الصراع الداخلي وازدواجية الطبيعة الإنسانية ما بين الخير والشر والروح  والجسد ، نجح الشاعر أن يجسم لنا مشاهده المرئية والتشكيلية مع طرح همه الشخصي ورغبته في تعميق الفكرة الشعرية ومنحها الحق في أن تخلق شكلها وتطورها كما يحفر النهر مجراه " يقول في قصيدة ( بين الحضور والغياب صــ 36

 يا تري قلت إيه مسك لو الأرض تنشق ، 

     بلاش ندي فرصة لحاجات بسيطة تزعلنا ،  

عيون شاردة في لهب الشمعة الرقاص ، 

     ناوية تمشي ،  

أنا .... ،  

ح أستن الملاك الصغير يفرد جناحيه ، 
     وصابعي متثبت فوق لهب الشمعة     
ينسج الشاعر هنا عالما يخصه وحده فبرغم بساطة المشهد إلا أن هناك عمق في طرح الفكرة الشعرية يضعنا في النهاية أمام مشهد خيالي حلمي بلغة لا تميل إلي الفوضوية ولا تنحاز لفكرة التفكك اللغوي لكنها تسعي إلي استخدامات صوتية مغايرة ، يقول في قصيدة ( إكرام المريض صــ 16 
    الزمن كبير ،  

أكبر من  هتلر ،  

كان ممكن أبقي زعيم ، 

     لكن أحب أبقي مع نفسي 

     عادي 

     روحوني بقه ، 

     لو ماروحتونيش ها أطير  

كده طب ف ف ف ف وووو ) 

     يترك لنا الشاعرأحيانا فراغات منقطة داخل النصوص فنري أحيانا جمل غير مكتملة ربما لأن تعدد مستويات اللغة ، والجمل الغير مكتملة من السمات الجمالية لقصيدة النثر بشكل عام يقول في قصيدة ( يوم جديد مغامرة جديدة ) صـــ49 
    ما تنساش ،

المكان اللي يريحك خد منه تذكار ، 

     تفتكر به المواقف الحلوة 

     وخد منه تذكره رجوع  

بأنك تختار أمنية تحققها لأعز الناس فيه 

     أنا مش فاضي ، ح أقابلك أخر اليوم ، 

     علشان أشوف معاك كام تذكار 

   (  إلا إذا 

نري في هذا النص وفي نصوص أخرى المزج ما بين السخرية والخيال ينتج عنه المفارقة المدهشة يبدو ذلك جليا في قصيدة أخرى بعنوان ( بطل حقيقي ) صـــ 53 
اللي قاعد وسط الصخور ،

 يشرب الخمور الرخيصة ، 

     أبو تجاعيد منها ره ده ، 

     كان شعره أسود طويل ، 

     تتشعلق فيه الملايكية تلاعبه ، 

     وتقف علي كتفه تحارب معاه ،  

كان أشجع محارب          
هذا المزج ما بين السخرية والخيال في وصف شخصية هذا البطل المأزوم أو المهزوم لا يوصلنا فقط للدهشة ولكنه يشعرنا بحجم المأساة يقول في نفس القصيدة 

             كل الراويات والأساطير 

     هو اللي حكاها 

     ونقلتها عنه كل الألسنة ،  

أرجوك ، 

     لو هتروح له ماتفكروش  بالأسامي دي ، 

     لأنه بيتشينج ويخبط دماغه  في الأرض ، 

     ويشتم أي حد يلمسه ، 

     والدموع تنزل من كل حته في جسمه ، 

     خليه يكلمك في الموضوع اللي يختاره  

ويحكيلك لوحده
الشاعر هنا يطرح مأساة محارب أو بطل بشكل إنساني بتحوله إلي مجرد صعلوك شرير يشرب الخمور الرخيصة لكنه مفعم بالحس البطولي النقي ، لم يورط نفسه في دور الفيلسوف أو المستغل للمواقف هو مجرد بطل شريد لا يقول غير الحقيقة التي يعرفها ولا يجد في النهاية غير الدموع ، هو بطل متوقف معطل ، سابق ، يمتلك حقيقة معطلة وشريرة يطرح الشاعر سخرية مريرة تضعنا أمام أسئلة عن معني السعادة الذكري البطولة الهواية ، الوجود الإنساني بشقيه  الجسدي والروحي ، يحول الأشياء إلي نقيضها في نسق شعري غرائب ، يقول أيضا في قصيدة علي سور الكورنيش


لما الليل يتخفي ويبقي نهار

ولما يبقي فيه تأثير للهوا 

الأرانب تبقي أمواج  

     الطيور تبقي ناس مالهاش قناعات كافية 


هل لهذا النسج الغرائبي علاقة بفكرة العود الأبدي والخلق الدائم للأشياء ..؟ 
ربما ! وفي قصيدة برنجي .. كنجي .. شنجي ) يقول

3 لمبات صفرا بتحارب الريح ،

قول سكرانين
واقفين وسط صحرا ضلمة
، وفاكرين نفسهم 3 نجمات ، 

     لكنهم منورين فعلا ، 

     لا تنين شخصهم  بيتغير كل يوم ، 

     لكنهم دايما إتنين
يصور لنا الشاعر عالم الجندية والحراسة الليلية والوضع الثابت للجسد أثناء الحراسة والملل والإرهاق الجسدي من كثرة الوقوف يقول  
   الوقوف تعب الرجلين والضهر ،  

ففتحوا بوابة  الحواديت ،  

ولما الريح زادت وقفلتها ،  

إضطروا  يغنوا ، 

     ولما خلص الغنا ،  

لقو نفسهم مسكين في بعض ، 

     ولما الزهق إتسلل ،  

ومسئولية الحراسة ضلمت العيون ، 

     مسك كل واحد قلم ، 

     وفضل يكتب ع الحيطان 

     بإخلاص غريب .

نصوص الديوان تطرح لنا الروح الطيبة للذات الشاعرة والتي تتخفي بين الجموع المتعبة تارة وراء أكياس الشيبسي تارة وبين صخور بحر الإسكندرية تارة أخري لتتحول بعد ذلك إلي هيئات مختلفة سلحفاة سفينة ، حصان ، طيارة إنها روح المفارقة المدهشة التي تسيطر علينا منذ بداية الديوان وحتي نهايته لتضعنا أمام مغامرة موحية وتجربة شعرية لها خصوصية لا تعتمد علي الوصفة الجاهزة لقصيدة النثر لكنها تسعى "إلى التجريب الذاتي بالتداخل مع فنون بصرية أخرى في صدارتها الفن التشكيل يقول في قصيدة ( الفرحة ألوانها كتير صـــ  15
 سيب الريشة للحركة الحره ،

سيبها ترتجل ولا يهمك ،  

حواليك الألوان الزاهية ،  

وقاعد براحتك

 ويقول في قصيدة قالت واحدة واحدة ) صــ 27  

 باصص للطريق الضلمة المصفوف بالشجر

     في البلد دي الواحد – بالعافية – يبص شبر قدامه ،  

الجنايني قاللي كده ، 

     وهو بيشاور علي اللوحة اللي بيرسمها
والجنايني هو الفنان أحمد الجنايني  التشكيلي المعروف  صديق الشاعر وصاحب لوحة الغلاف للديوان والتي تضافرت مع الرسوم الداخلية لرحاب إبراهيم والنصوص لتصنع لنا عالما شعريا مختلفا وتجعل من ديوان الشاعر صالح الغازي ( الروح الطيبة ) لوحة  مكتملة لا يمكن قراءتها إلا من خلال عنصر التشكيل في النصوص وعنصر الشاعرية في لوحة الغلاف والرسومات الداخلية للديوان. 

حاتم مرعي-السويس
نشرت القراءة في كتاب العامية كنز الابداع
ونشرت في  عرب نيو
علي الرابط

دراسة أ.خالد الصاوي: المادي والمعنوي في ديوان سلموا عليا وكأني بعيد..

استهلال
تسيطر حالة الهدوء الإيقاعي على الديوان وكأنك تشعر بخفوت حدة التوتر والصراخ في ذلك العالم الذي نعيشه ، وذلك يرجع للذات الشاعرة التي استخدمت الحديث عن نفسها ومعها دون صراع بين أطراف تتنازع ، بل هو صراع خفي يحمل في طياته التأمل في طبيعة المكان والأحلام "إلى مكان يساع القدم والأحلام " المقدمة .
مستخدمة الذات الشاعرة ضمائر المتكلم ويظهر ذلك جليا في عنوان الديوان الذي يتكون من جملتين الأولى فعلية تنتهي بياء المتكلم والثانية اسمية حالية وتبدأ بياء المتكلم بعد الحرف الناسخ كأن ولو حذف الناسخ " كأن" فيصبح الضمير المتكلم له صدارة الجملة الثانية ونلاحظ أن استخدم واو الجماعة تعبيرا عن الجمع الغائب ، في مقابل المفرد الحاضر / الذات الشاعرة وتقارب المسافة اللفظية في تكرار ياءالمتكلم هنا ليخلق ذاتا قوية تتوازى مع الجمع الغائب إضافة إلى حضور الذات الشاعرة في مقابل غياب الآخرين ، وهذا الإحساس الذي وصل إلينا يؤكده الشاعر في قصيدته " النور عندنا من كل حتة " فهو يجعل من الآخر مخاطبا " اخلع نعليك وأحزانك " في مقابل الذات الجمع المتكلمة " قلوبنا " ص13، وتأصيلا لحالة الهدوء ندرت الأساليب الإنشائية والمشتقات مع الركون إلى الزمن الماضي وظل المضارع المستخدميتحرك ويدور داخل الزمن الماضي ، وخاصة في مجموعة تدوم الزيارة ، وتقضية وقت ليعلو صوت الإيقاع في الحاوي الهندي وسلموا عليا وكأني بعيد
جدلية المادي والمعنوي :-
الصراع بين المادي والمعنوي أو المحسوس والمعقول ظل مسيطرا على الأعمال الإبداعية على مختلف فنونها ، وتعاملت مع المحسوس / المادي على إنه المدنس ومع المعنوي/المعقول على إنه المقدس ، وتناولت الذات الشاعرة في الديوان كليهما دون صراع ودون تحديد لطبيعة كل منهما من التقديس والتدنيس بل جمعهما معا في مقدمة الديوان الغير معنونة " إلى مكان يسع القدم والأحلام إلى الأمل ... " فالمكان الذي ينشده يأمل أن يساع القدم / المادي والأحلام – الأمل / المعنوي " لكنه يغلب الجانب المعنوي كأمنيات في قوله " بلاد تتبناه "و يحمل التبني في طياته المادي والمعنوي لكن يحركنا فيه الجانب المعنوي أكثر لأن التبني يحمل عاطفة الأبوة والأمومة معا .
وفي قصيدة "النور عندنا من كل حتة " تبدأ بسؤال يفتش عن كينونة القادم لا نوعية ما يحمل ويتبع السؤال أمر " اخلع نعليك وأحزانك " وهنا تريد الذات الشاعرة تجريد القادم من الحسي والمعنوي على السواء فالنعل بما يحمل من مدنس والأحزان بما تحمل من آلام .
وكما رفضت الذات الشاعرة في النص السابق المادي والمعنوي على السواء نجدها في قصيدة " ريحة الزهور " تستقبلهما معا مرحبة بآثارهما ، فتبدأ بالمعنوي " عطوف – ودود "
" تحسسك إنك بني آدم " فقد ربط الشعور بالإنسانية بهذه المعنويات و" حنينة " ثم ينتقل من الشعور إلى المادي الجميل " صحبة زهور" " لقيت ريحة ياسمين " وربط الذكرى برائحة الياسمين ،وهذاالتضافر بين المعنوي وبين المادي ينم عن تلاحم وتواصل الذات الشاعربنفسها .
وفي قصيدة الغول نجد أن المعنوي والمادي يغيبان عنا بالألفاظ الدالة عليهما مباشرة إلا أن استخدام السرد الشعري باستخدام الراوي العليم / الذات الشاعرة كان عوضا عن الألفاظ المباشرة "وصدره ينتفخ زي بالونة " تنم عن الضيق وأيضا " احتياجك للفضفضة "واستخدم الفضاء المكاني للتعبير عن الحسي "شارع – الحي – بيتك – الصالون – البلكونة " ثم يختتم القصيدة بــ "لازم تعد فناجين القهوة بعد ما يمشي "وهي العبارة التي تتناسب مع عنوان القصيدة الغول الذي يلتهم أي شئ حتى وقت الذات الشاعرة ، وخاصة أن الشخصية المروي عنها لا تضح ملامحها العنفوانية ، حتى عندما خرج منه الغول فهو يؤرخ ويحكي عن ذاته المتضخمة ثم تنتهي الحكاية كلها باكتشاف ضآلتها في هذه النهاية الرائعة للقصيدة .
أما قصيدة غضب فعنوانها ذو دلالة معنوية خالصة ونشعر أن الهدوء المسيطر على الديوان يبدأ في التلاشي بتكرار فعل الأمر افتحوا واستخدام اسم الفاعل فاير والمضارع الذي تحرر من زمن الماضي " كل جسمي ينتفض تعلا دقات قلبي " ثم يختم بحكمة مبررة هذه الثورة التي تعيشها الذات الشاعرة " ما نعرفش تمن أي شئ إلا في النهاية " فتأخذنا الحكمة لحالة من الندم نستنتجها فالمعنوي كما اعتدنا من الذات الشاعرة متناغما مع المادي في تآلف لايشعرنا بسلطة الحكمة علينا .
وفي قصيدة " البعيد عن العين بينور في ألبوم الصور " نلحظ تصرف الذات الشاعرة في المثل الشعبي "البعيد عن العين بعيد عن القلب " هذا التصرف الذي يدل على حالة التأمل التي أشرنا إليها سالفا والتي تفرض على القصائد حالة الهدوء الإيقاعي ، ونلحظ أن الفرق الزمني بين هذا المثل الشعبي وبين عقلية الذات الشاعرة كبير حيث أنها استطاعت أن توظف مفردات واقعها الحداثي في الثورة على المعنى التقليدي للمثل وما يحمل من أفكار ، ونلحظ أيضا كسر حالة الهدوء الإيقاعي باستخدام نفس الآليات السابقة من الفعل المضارع وبعض المشتقات والذات الشاعرة تصدر لنا حالة البهجة " منورين – تبتسملي أحضانهم – أحلامهم " ثم تسيطر عليها حالة الغياب فتجد نفسها شبحا باهتا ، ومن الواضح هذا التناغم بين المعنوي "الفقد – الغياب – الذكرى " مع المحسوسات "الألبوم – الشمس " وتتسلل الحكمة في ثوب الصورة البيانية لتمررها على القارئ بلا سطوة للذات الشاعرة لتظل محض تصور خاص بالشاعر " كأن كل واحد مننا بيسجل حضور التاني "ومثل هذه الومضات تدل على حالة التأمل التي تنتج لنا تصورا عن العالم من خلال عين متأملة راصدة .
وفي قصيدة " جدار قديم " يسرد الشاعر عن موظف الأرشيف والدوسيهات والحبر والقميص ومحاولة النسيان " وارمي ورا ضهري "رغم كل معناته "أعاني من وجع سمانتي " لكنه أيضا يخفي الأحلام فنجد تضافرا واتساقا ملحوظا بين المعنوي المعاناة والأحلام وبين المادي داخل الأرشيف ليدل ذلك على تعاطي الواقع المعاش وتمريره رغم ضياع الأحلام ولكن العالم المادي هو المسيطر " وضهري متشرخ " .
وفي قصيدة " قد ما بحب " فالعنوان يبدأ بلفظة معنوية واضحة " حب " وتطل لفظة " الليل " في مفتتح القصيدة مستدعية متلازمتها " الحلم " " أمسية " ويبدأ الحدث ليحرك الإيقاع مستخدما دلالات الأفعال المضارعة " يجري – بيرتب – يملا – بتهلكني – أطلع – يتكسر – أرقص – يسقفولي .....إلخ " ونلاحظ تناغم المحسوسات مع كل ما هو معنوي فبينما تتم الحركة داخل الحلم وسيطرة حالة الرعب والتفكير والتذكر نجد حالة موازية من المحسوسات تؤصل لهذه الحالة من التفاعل والحركة الانفعالية للذات الشاعرة " يتكسر – أرقص على الإزاز زي حاوي هندي – يناولوني الإزاز أمضغه " ثم يرجع ليؤكد رتابة الفعل من خلال تكرار نفس اللحظة الزمنية " ليل يناولني للتاني "مع فقد الذات الشاعرة للإرادة في التغير فتعاود لتكرار عبارة " ونفتكر الأحبة وقت الحنين – ما نفتكرش الأحبة غير وقت الشدة " فهذه الذات الراوية والتي ملأت حيز القصيدة بالحركة البهلوانية التي يستخدمها الحاوي الهندي تستسلم وتتراوح أفعالها بين إظهار الضعف الإنساني " ارتعش
" ولد تايه في السوق
" عطن السنين على القلب روماتيزم
فيأخذ موقفا متوازنا مما حوله " بقيت أكره قد ما بحب ..." ويعلن هزيمته المأساوية
الحاوي يشلب دم – قلبي بينزف – الولد تعبان من النهجان " ويلقي علينا في هذه اللحظة مجموعة من التأملات التقريرية ليعلن بها كيف ترى عينه العالم " قانون السوق الكف والقفا – الطبيعة بنت الغيطان – والسحر روح الصحرا – أما المدن بلياتشو
وليلها بيخبي اللي بيشوفه " وهنا يحاول الاشتباك مع مفردات سابقة تسللت لنا عبر القصيدة مثل " السوق – الساحر – الليل " فيوجد علاقة بين ما أنتجه لنا من رؤية مع انفعالاته ، لكن تم الزج ببعض الجمل التقريرية دون تفاعل ولا اشتباك لا مع المفردات ولا مع مدلولاتها فظلت هذه الجمل غريبة لا تساهم في حركة الإيقاع الشعري بقدر ما كانت ثقلا على المنتج الدلالي وساهمت في تقريرية العبارات " الطبيعة بنت الغيطان – أما المدن بلياتشو "
وعلينا ملاحظة العنونة الداخلية لكل مجموعة من القصائد وكيف يتم تفعيل حركة الإيقاع بشكل تصاعدي متناسبا مع الحالة التي يطرحها كل عنوان
فيبدأ من العنوان سلموا عليا وكأني بعيد ،لزيادة الحركة الإيقاعية ويبدأ في قصيدة " مقام الشنط " فيعتمد على تكنيك قد مارسه في بعض القصائد الأولى من الديوان وهو التنوع بين الخبر والإنشاء فيبدأ القصيدة بسؤال " ممكن أشيل الشنط عنك –" وكذلك تكرار الفعل الأمر في القصيدة " سيبني أشيل معاك - سيبها مكانها - سيب الأحمال – ياللانمشي " إضافة إلى استخدام الفعل المضارع الذي يعطي حيوية للحركة الإيقاعية ، ومن خلال ذلك يطرح لنا رؤيته حول تمحور الذات في الذكريات والأحلام ودعوة من الذات الشاعرة عبر حوارها للآخر للتخلي عنهما فالذكريات تجعلك تعيش زيفا والأحلام " تطير عصافير الشجر " ثم يدعوه لأن يكون كما هو مجردا عن أي أحمال ثم يضع له منهجا ويفرضه عليه وكأنه هو المثال " أسلوبي إنك تعيش ، زي مارد زي قزم واللا قرد عيش..." ،" سيب الأحمال وتعال كمل ياللا نمشي ، مع ملاحظة تكرار مادة " سيب " سيبها مكانها – سيب الأحمال " مسبوقة بالفعل تخلع " بس تخلع أي حاجة مش بتاعتك " وكأنها دعوة للاتساق مع الذات بعيوبها ونواقصها متخلية عن الذكريات والأحلام التي تعرقل الاستمتاع بوجودنا الحي ، مع ترك كل الأحمال بما تحوي " الشنط بقت كتير ، مش ها ينفع أخفف عنك ، سيبها مكانها ، ده مكانها ومقامها الانتظار " فالشنط بما تحوي من أشياء فهي تعطي دلالة بالسفر والانتقال والترحال مثلها مثل الهموم والأحمال المضنية ، لذلك علينا التخلص منها لأنها تنتظر في المحطات ونحن - المسافرين -
نغير محطاتنا ولأن الشنط تابع يمكن التخلص منه فيجب عندما تزيد الأحمال والهموم أن نتركها في أي محطة لأن الإنسان غير مرهون بالانتظار ، وهذه الرؤية وحالة التأمل التي تسيطر على الشاعر إنما هي السمة الأصيلة في الديوان والتي تجعله أحيانا يرسل لنا جملا تقريرية حاسمة " ده مكانها ومقامها الانتظار " .
وفي قصيدة " شعار المرحلة " يحا ول الشاعر اللعب على المتناقضات مثل " تكشف المتخبي " ، في خلفية دخان المسدس شايف الأشباح "فهذا هو عالم السلاح لا ينتج عنه سوى أشباح غير محددة الملامح تحمل الفزع والخوف ، وذلك على التناقض من الجملة التالية لها " وسوبر مان خلفية شاشة الكمبيوتر " وسوبر مان البلطل المخلص يظهر كخلفية للعلم والتكنولوجيا فنجد أنفسنا بين تناقضين أساسيين : عالم السلاح والقوة ، وعالم العلم والكمبيوتر " وأملك قيراط في جنة العصابات " نلاحظ التناقض بين كلمة جنة وعصابات
" بجري كأني قاعد " " بسامح الأعداء ومش عارف أسامح الأصدقاء " فهذه المفارقات والمتناقضات التي عمد إليها الشاعر ليوضح أن العالم مبني على هذا التناقض وأن هذا التناقض غير محسوب ونتائجه بالتالي غير محسوبة .
وفي قصيدة " أنا جيت " يستخدم نفس التكنيك واللعب على التضاد " شفت نفسي كده ومحدش شفني " يحببك فيا ويكرهك في الغير " ، ونلاحظ أن اشتباك الذات الشاعرة مع العالم " الغير " تدعوه للتعجب من وجوده الذي يحاول إثباته مجددا " عشان أثبت وجودي من جديد " معتمدا في إبراز حالة التعجب على استدعاء شخصية يتوجه إليها متعجبا " شفت الكلام يا عبد السلام ! " وتكرار الجملة مع استخدام جمل تعجبية المغزى عن طريق استخدام الجمل الاسمية " نجمة جه عليها الفجر وما نورتش لحد ! بنت انقطع عنها الحيض !"
وكأن الشاعر في نهاية المطاف قرر أن العالم يحتاج الاشتباك مع الآخر وعدم العزلة " بقيت باخرج من مداري وأمشي هنا جنب الناس وكأني منهم ...مدوا الأيادي "
الاشتباك مع الحدث العام :-
ويبدأ الشاعر الاستباك مع الحدث العام بداية من عنوان " الزرافة تحت رق " وفي قصيدته " الزرافة المحترقة " ونجد رؤية الشاعر الاستشرافية كمراقب للحدث العام هي التي تطل علينا رغم محاولته فتح مساحة للرؤية أوسع بوصف حال الزرافة لكن الجمل الاستشرافية والتي تتناغم مع أحداث اللحظة المعاشة الآن تستحوذ على المساحة الأكبر " بداية عصر الاشتعال
تنطر شظايا على البيوت والناس
يضرب الحراس تعظيم سلام
صاحب الهيلمان باليمين يحمي نفسه بالشمسية
وفي الشمال الصولجان
يتفقد نجاح العشوائية "
ثم يعمد للسخرية من هذا الواقع ورفضه
" يا فرحة أمننا الغذائي في أمننا القومي !
وفي قصيدة " الزرافة منورة "
وهنا يحلل الحدث العام وزيارة أوباما لمصر فتتجه القاهرة للزينة والبهرجة فرحة بالقادم مع تضفير ذلك بالسخرية أيضا " شفت العرايس وهيا راجعة من عند الحفافة ؟
آدي القاهرة بقت منورة من غير أهلها
ونلحظ الاستفهام الذي يحمل التعجب والدهشة ، ثم تذييل الجملة الثانية بعبارة " من غير أهلها " ثم يعمد لتوصيف حالة الحركة السريعة والاستعدادات بجملتين استفهاميتين
" شفت مين رايح
شفت مين جاي "
ثم توصيف مبررات الاحتفال " ملامحه إفريقية
الشيخ عبدالله مينو "وتصدير الجملة الثانية بلفظة الشيخ ، ثم استدعاء مينو بلقب عبدالله يتم استدعاء التاريخ بمثالب نتائجه ، واستدعاء الوجه الاستعماري للقادم عن طريق هذا الاستدعاء التاريخي ثم يستخدم السخرية " لابس الجلابية وح يقيم الصلاة والنبي ده عسل
يا بخت الأمريكان ويا صلاة الزين "
الباحث: خالد محمد الصاوي
ديوان سلموا عليا وكأني بعيد
للشاعر صالح الغازي
صدر عن دار العين للنشر بالقاهرة2012


نشرت في صحيفة البداية
31مارس 2013
على الرابط




أنا زعلان منك يا فولتير!


(1)
كتاب رسالة في التسامح للفيلسوف الفرنسي فولتير(1694- 1798م) بدأه  بسرد قضية جان كالاس التي  وقعت  في فرنسا وهي قضية تعصب مذهبي استجاب فيها رجال قضاء مدينة تولوز لضغوط وتعصب العامة فحُكم بالإعدام على كالاس رب الأسرة وتشريد باقي الأسرة التى لجأت إلى القضاء والملك في باريس.
ويسرد الكاتب مساوئ التعصب الديني بحكايات وقصص تدعم ذلك  في مقابل التسامح وقبول الآخر فمثلا يذكر مزايا صلح وستفاليا  1648م كأول اتفاق دبلوماسي في العصر الحديث،أرسى نظاماً جديداً في أوروبا الوسطى مبنيا على الاعتراف بكافة الطوائف المسيحية واقرار مبدأ سيادة الدول القومية كأساس للقانون الدولي وأبرزنتائجه انتهاء حروب دامت عشرات السنوات ،وبدأت دول أوروبا في الظهور بنهضتها المعاصرة.ويخص فولتير ألمانيا فيقول :"إن ألمانيا ما كانت لتكون اليوم  إلا صحراء تغطيها عظام الإنجيليين والبروتستانتيين والكاثوليك واتباع تجديد المعمودية الذين ذبحوا بعضهم بعضا لو لم تأت معاهدة وستفاليا نهاية الأمر لتوفر حرية المعتقد"
ويوقفنا أمام تمثيل  موحي "ان الحق في التعصب حق عبثي وهمجي اذا انه حق النمور وان فاقه بشاعة فالنمور لا تمزق بأنيابها الا لتأكل أما نحن فقد أفنينا بعضنا بعضا من أجل مقاطع وردت في هذا النص أو ذاك". ويذكر نموذج كارولينا تلك البلاد البعيدة والتي كانت احدى المستعمرات الانجليزية و لم تكن قد انضمت للولايات المتحدة وقت تأليف كتابه: "لنتجه الآن بأنظارنا صوب النصف الآخر من الكرة الأرضية إلى كارولينا على وجه الخصوص تلك الدولة التي كان لوك الحكيم أول من شرع لها .ففي كارولينا يكفى أن يتفق سبعة من أرباب الأسر على إرساء ديانة جديدة حتي يقرها القانون ويعترف بها ولم تنجم هذه الحرية المطلقة على أي فوضى ،يشهد الله أننا لم نورد هذا المثال كي نحث فرنسا على الاحتذاء به !فما سقناه إلا لكى نثبت أن المغالاة إلى أقصى الحدود في التسامح لم تتسبب في حدوث أدني انشقاق أو فتنة"
ويذهب فولتير ان المبدأ الأعظم لكل القوانين واحد في كافة أرجاء المعمورة ويتلخص في "لا تفعل مالا ترغب في أن يفعل بك" ثم راح يثبت تسامح الإغريق "لقد قصد الاسكندر الصحاري الليبية لاستشارة الإله آمون الذي أطلق عليه الإغريق اسم زيوس واللاتين اسم جوبيتر مع ان كان لهم زيوس وجوبيتر يتعبدون له في بلادهم ،وعند محاصرة مدينة من المدن كانت الصلوات ترفع لآلهتها وتقدم لها الأضاحي بغية نيل رضاها ومؤازرتها حتى في أوج الحرب"
ويفرد الكاتب مساحة أكبر من اللازم ليثبت أن الرومان  شعب متسامح وأن تغيرهم الى الاضطهاد جاء بسبب اليهود "الرومان لم يضطهدوا المسيحيين الأوائل بل على العكس قمعوا اليهود الذين كانوا يضطهد ونهم" ويكرر ذلك "اليهود لا الرومان  هم من تألبوا علي القديس بولس وبأمر من يهودي صدوقي لا من روماني". ويؤكد باستمرار سماحتهم "كان المبدأ الأسمى لدى مجلس الشيوخ ولدى الشعب الروماني يتلخص كالآتي: وحدها الآلهة معنية بالإهانات الموجهة الى الآلهة فهذا الشعب الفذ ما كان يفكر الا في غزو العالم ويحكمه ويأخذ بيده للحضارة لقد كان الرومان غزاتنا ومشرعينا في آن واحد ولم يسع قيصر  الذي أعطانا القيود والقوانين والألعاب الى ارغامنا على التخلي عن كهنتنا لصالحة رغم كونه الحبر الأعظم لأمة سيدة علينا. أكان الرومان يتعبدون بالديانات كافة وما كانوا يخلعون صفة الشرعية الرسمية عليها جميعا بيد أنهم كانوا يسمحون بها جميعا بغير استثناء ومن الثابت ان معبدا قد شيد في روما لإله مصري (ايزيس) وبموافقة الجميع "
ويستغرب فولتير من سقوط شهداء مسيحيون  في عصر الرومان حسب زعم كنيسة مصر بينما كل الديانات مباحة ومن بداية حديثة يقول بصعوبة معرفة سبب ادانتهم الحقيقية. وينفي حدوث محاكم تفتيش على المسيحين في عهد الأباطرة الرومان لأنهم كانوا يعتقدون بأن هناك اله أسمي وأعظم لا يقع تحت الادراك ولا يقبل الوصف.
حتى هنا جيد رغم أنه أطال وبالغ في الدفاع عن الاغريق و الرومان وفي حديثه عن شهداء المسيحية وبينما يستميت في الدفاع عن الرومان أيام الأباطرة وينفي أي عنصرية أو تعصب عنهم.لكنه يعمد إلى إهانة الشعب المصري. نعم إهانة واضحة لا لبس فيها ،كان يجب علي أن أمر عليها  ثم أكمل الكتاب لأجده ينادي ان من حق كل مواطن أن لا يصدق الا عقله المستنير أو الضال بشرط عدم الإخلال بالنظام ويحترم أعراف وطنه، ثم شرح اسباب خلاف واتفاق المذاهب المسيحية وتقاربها وتباعدها. ثم تناول تشريع اليهود واختلافاتهم محاولا فك الاشتباك بينها وبين المسيحية  ويحدد ويحلل نقاط  وعصور التسامح  والتعصب ثم قدم شهادات عديدة وأقوال محكمة عن التسامح ونبذ التعصب. ليخلص إلى ضرورة التسامح الكوني. ويختم كتابه 1763 م  بأنه تناهى الي علمه اجتماع مجلس الدولة في قصر فرساي  بحضور جميع الوزراء ورئاسة قاضي القضاة وتم اعادة عرض قضية كالاس. وأفاد بأن الدافع وراء كتابة هذه الرسالة هو مناسبة مصرع كالاس مؤكدا أنه لم يكن يعرف كالاس ولا أسرته وما دفعه هو الشغف بالعدالة والحقيقة والسلام ولم يقصد اهانة قضاة تولوز حينما قال أنهم أخطأوا في حكمهم بإعدام كالاس وتشريد أسرته وناشد كبير قضاة تولوز أن يندم ويعترف بخطأه. بذلك ينتهى كتاب فولتير. قدم رؤى وحلول ونماذج لوطنه عن حرية العقيدة كلها ذكية وملهمة نفع بها دينه ووطنه.
 (2)
 لكن ماذا قال فولتير عن الشعب المصري؟ كان نص كلامه :" الشعب المصري قد عرف على الدوام بأنه شعب مشاغب محب للفتن وجبان: شعب أقدم على تمزيق مواطن روماني إرباً إرباً لأنه قتل هرا، شعب لا يستحق سوى الاحتقار مهما قال عنه المعجبون بالأهرامات"
ويخرج فولتير من النص الي الحاشية ليتحدث خارج سياق الرسالة باستفاضة عن جبن الشعب المصري وتطيره منذ أن استولى قمبيز على مصر في معركة واحدة وفرض الاسكندر سيطرته عليها دون حرب واحتلال عمر لها في حملة واحدة واستيلاء مماليك جورجيا عليها حتى أصبحوا قادتها  بينما لا يفوته تأكيد أن المماليك هم الذين هزموا جيش القديس لويس وأسروه ولكن عندما تمصر المماليك أصبحوا رخوين جبناء كسالى متقلبي النزوات على غرار السكان الأصليين لتلك المنطقة،ويتعجب من تمكن سليم الأول من إخضاعهم في ثلاثة أشهر...الخ
ويزيد على ذلك عمق تاريخي حين يسخر من رواية هيرودوت عن خروج سيزوستريس لغزو العالم  حيث أن من هزمهم كانوا يزورونه سنويا ليؤدوا له الجزية فيستخدمهم كأحصنة ليصل للمعبد ويُرجع ذلك أنه شعب يلجأ لتلفيق الخرافات والحكايات الوهمية
ويقول فولتير " أما الأهرامات وسواها من الآثار فهى لا تقطع الدليل إلا على كبرياء ملوك مصر وفساد ذوقهم كما على عبودية شعب غبي سخر أذرعه وهى كل ما كان يملك ليرضى حب سادته للفخفخة.ان النظام الذى كان يحكم بموجبه هذا الشعب يبقى نظاما غبياً ومسرفاً في الطغيان وقد زعم الزاعمون أن سائر أرجاء المعمورة قد خضعت لعموم المصريين فهل كان لأولئك العبيد أن يغزوا العالم"
ويستطرد " ان دين أولئك الكهنة الذين كانوا يحكمون الدولة لا يحتمل المقارنة حتى بدين أكثر شعوب أمريكا توحشا فنحن نعلم أنهم كانوا يعبدون التماسيح والقرود والهررة والبصل"
ويزيد"ولم تكن فنونهم أفضل حالا من دينهم فليس ثمة تمثال مصري قديم واحد مقبول للنظر وكل ماهو جيد عندهم صنع في الأسكندرية في عهد البطالمة والقياصرة من قبل فنانين اغريقيين ولقد احتاجوا الى إغريقي كي يتعلموا الهندسة "وينهى فولتير كلامه عن مصر في حاشية الموضوع   "تبقى تأملاتنا هذه حول المصريين ضربا من التخمين"
يا سلام يا فولتير! بقى تشتمنا في المتن و تقول في الحاشية (تخمين)!
وعلى كل حال فإن الغضب من فولتير لن يجدي كثيرا ، لكن سأحاول تفنيد  كلماته  دون اهمال قسمين:
أولا: إهانات مقصودة قد يلتمس البعض العذر له على أساس أنه  ذكر نصاً أنه يخمن  - لأن رموز الهيروغليفية  تم حلها  عام 1822 م – مع كل التقدير لشمبليون الذي أنقذنا وأنصفنا أمام أحفادنا وأمام التاريخ لولاه لما كان لدينا أي ميزة – حيث  بدأت تتكشف قيمة الفراعنة بعد وفاة فولتير بربع قرن تقريبا ويدرس علم المصريات في فرنسا والعالم .فنجد سيزوستريس أو سنوسرت الثالث كان زعيم روحي وقائد حربي ونعرف مغزى الأهرامات ونكتشف جمال التماثيل المصرية فيما تعبر عنه كفكر متكامل نستطيع أن نقول أن الرومان تعلموا منه..الخ
لكن يظل هناك تقصير عند المصري ،تقصير غير مفهوم هو أن لغة الدين القديم قد سجلت بلغة غير متداولة وغالبا فعل  الكهنة ذلك لضمان سيطرتهم وحدهم على الشعب وبالتالي إطالة أعمارهم بغض النظر عن قدسية الدين، .فالصدفة وحدها هى التي أنقذت شعب مصر من  مزاعم فولتير ومن الاتهام أنها مجرد حكايات خرافية لشعب متخلف ويظل الإشكال في هذه الازدواجية لماذا  لم يحافظ المصري  على النصوص؟ طبعا لأنه كان يتحدث بلغة ويتعبد بلغة؟
 اذن لماذا لا تكون القدسية للمعني والقيمة وليس للنص ،ولماذا يتم تقديس اللغة خاصة ...أنها لا بد أن تتطور بتغير الزمن؟ بالتالي النص لا بد أن يتطور بتطور الزمن. وكيف وصل المصري إلى هجر كامل لعقيدته  ولغته بهذه الصورة وكأنه تم استبداله!
ثانيا: قصد فولتير  تمجيد الرومان والتقليل من مصر وقد يكون رداً على الزعم المصري ان الرومان قتلوا المسيحيين عند حديثه عن عصر الشهداء!
كما نعت  الشعب المصري بالرخاوة والكسل والجبن وتقلب النزوات عند ذكر هزيمة جيش القديس لويس وهو يقصد حملة  لويس التاسع  بما  يفضح انحياز فولتيرللحروب الصليبية.
نعم كتابه عن التسامح وذكر أمثلة ونماذج من هنا وهناك لكنه لم يذكر الاسلام نهائيا! وبالتأكيد له موقف غير متعاطف مع الإسلام وبتتبع أعماله نجد له مسرحية أسمها محمد يهاجم فيها الدين الإسلامي في شخص النبي !
وقد ربط تلك العقيدة غير المفهومة بالأحداث المعاصرة بشكل فيه تعسف وانحياز أكثر من كونه جزء من رسالة تسامح ،لكن لماذا لم يلتفت أنهم يعبدون الله الواحد وهم قوم سلام ولماذا لم يربط ذلك بقول افلاطون  الذي أورده  واستشهد به على تسامح قومه؟ حيث يتطابق نص افلاطون مع نص قرآني "ليس هنالك سوى اله واحد إياه ينبغي أن نعبد ونحب ونعمل على التشبه به بالقداسة والعدل والإنصاف"
هناك إشكال وجده الغرب في التعامل مع الدين الاسلامي،عصر فولتير بعد 1180  عام تقريبا من ظهور الاسلام وهى فترة طويلة في عمر الدين كيف كان وعي علماء الدين الاسلامي؟ اجمالا دون الدخول في تفاصيل نجد أن بعد الخلفاء الراشدين وقعت الصراعات المذهبية ولم تحسم الا بالرجوع للسلفية والتبعية أكثر من التطوير والتحديث والتسامح والآراء التنويرية ظهرت على نطاق ضيق ومحدود حتى تم اقصائها لصالح السلفية.  كما التصق الدين بالحكم بشكل التوأمة فكان السمة الأكثر وضوحا .
وكيف كانت القوميات؟
منذ عهد طويل لم تكن هناك قوميات، الجميع يُحكمون من قائد مسلم ولا يشترط أن يكون مصري! وهذا يبرر حكم الأيوبيين والمماليك والعثمانيين..الخ
 في نفس التوقيت اجتمعت شعوب أوروبا على فصل الدين عن الحكم وتبني رؤى التسامح بين الأديان واعلاء القومية!
لكن لماذا مصر بالتحديد رغم وجود أقطار اسلامية كثيرة؟
هذا السؤال سهل حيث يذكر التاريخ أن مصر هي الأمان الزراعي والموقع الاستراتيجي فكانت أشبه بالحصن دائماً هي التي تتصدي وتقاوم وتحارب خاصة حروب التتار والحروب الصليبية ،كما أنها صاحبة الشواطئ الأقرب لأوروبا ،وصاحبة أقوى الحضارات تأثيرا وتقدما بالاضافة إلى أنها مكان مميز في العهد القديم وأن الكنيسة المصرية اتهمت الإمبراطورية الرومانية بتدبير مذابح عصر الشهداء..
لكني  فعلا زعلان منك يا فولتير ...لأني حسبت أنني سأقرأ رسالة عن التسامح  ولم أكن أعرف أنها فخ لك ولنا... ورغم أنك أفدت قومك بفكرك وعملت مخلصاً لهم وتُذكر في تاريخ التسامح كرجل ملهم، لكني فعلا زعلان منك...
المهم الأن بعد قرابة  255 عام  من تأليف فولتير لرسالته  التي وجه للمصريين شتائم جارحة أرجو أن تتخيلوا معي لو أصدر فولتير هذه الأيام  طبعة جديدة (منقحة ومزيدة) ماذا سيكتب عن مصر سواء كان يحاول أن يجد ذريعة للتهجم أو انه سيكون عادلا..
أولا ماذا سيكتب بعد ترجمة البرديات والرموز عن  تاريخ مصر القديم ؟
ثانيا ماذا سيكتب عن الاسلام والتسامح ؟
ثالثا ماذا سيكتب عن القومية المصرية؟
تخيلوا معي...ماذا سيقول التاريخ عن بلادنا ؟
مقال :صالح الغازي..





نشر في صحيفة البداية

غلطة الشاطر (شعر)

في زاوية الأماسي

قاعد يرمى التماسي.

في كل قاعده راشق.

 لأى واحده عاشق.

    مع كل القضايا،

       ناقل كل الحكايا.

ده أمنجى بالفطرة

والمرحله دي خطره

  يبقى من المناسب

   يكبس على المناصب.

وارد جهة سياديه،

بمنتهى الساديه

جه راكب على فرسه،

رافس مُعارضُه رفسه.

مِروج الإشاعة

 يرمي بالبشاعة

  اللي راح يكشفه.

  فضيحة تنسفه.

قابض في كل ندوه

 واكل في كل غدوه.

أمرك يا تاج راسي

على كل مكافأة راسي

وإيديه غاويه تكوش

بصوت عالي يغلوش،

وراه كتير أتباع

من غُرزة الابداع،

مشتاق في إيده عاطل،

بيروجو لباطل.

داير على المجالس،

ده سيد مين يوالس.

وإيه ح يزحزحه

راسخ في مطرحه،

جاي يوم نخلع له ضرسه

أو يعملها في  نفسه

قاضيه تخلص عليه

  ويبقى منه فيه

      لكل شاطر غلطه،

يغطس ويروح في ورطه.


شعر صالح الغازي


نشرت القصيدة في صحيفة البداية


" في الطريق لأسعد الأوقات " قراءة في " سلموا عليا وكأني بعيد

قراءة : وليد طلعت

 "سلموا عليا وكأني بعيد " هو الديوان الثالث للشاعر صالح الغازي بعد ديوانيه " نازل طالع زي عصاية كمجة " و " الروح الطيبة " وهو كتابه الخامس بعد مجموعتيه القصصيتين " تلبس الجينز " و " الرقة " .
و قد قدم الشاعر لديوانه بإهداء
 ( إلى مكان يساع القدم والأحلام
إلى الأمل اللي موجود على طول وبيدور على بلاد تتبناه )
مصدرا لنا منذ البداية تمسكه بهذا الأمل ويقينه في وجوده باحثا معنا عن أرضٍ تتسع له وللأحلام .
وقد قسم الشاعر قصائده إلى  اثني عشرة عنوانا رئيسا ، ونستطيع نحن تقسيمه في قراءتنا إلى ثلاثة أقسام رئيسية :
-           الأنا والآخر
وتشمل قصائد العناوين (  تدوم الزيارة – تقضية وقت – الحاوي الهندي – سلموا عليا وكأني بعيد )
-           قصائد للوطن ( الزرافة تحترق – أول يوم .. آخر يوم – سكة الحنين الطويلة – صورتين : الأسد والحمامة – الحرية مالهاش قانون،تعظيم سلام للشهدا )
-           مشوار المحبة ( مشوار للجنة – لسه الأمل في المحبة يقدر يشاء – أسعد الأوقات ) .
في القسم الأول من الديوان  يعرض الشاعر لعلاقة الذات بالآخر بما يشوب هذه العلاقة دائما من تشابك  وما يشكله تنوع هذا الآخر وما يمنحه في أحايين  من محبة ودفء وسكينة تدفع المرء للاستزادة من هذا الوجود الحميم وما يصاحبه من ود فيتمنى لو " تدوم الزيارة " ويكون شرط المودة الوحيد ( اخلع نعليك وأحزانك ) لتنفتح له الأبواب والقلوب وتعلو الابتسامة ، كيف لا وهذه القلوب المحبة تمنح  من العطف والود والقرب ما يعيد للمرء إحساسه بآدميته منحا بلا حدود :
(  خلاني أقول كل اللي جوايا.....
لما خرج ما أأخدش حاجة
ودعني بنظرة حنينة
خرجت وراه ، لقيته سايب قدام الباب صحبة زهور
رجعت مكانه علي الكنبة ، لقيت ريحة ياسمين ) .
وهوما يجعل من هؤلاء الأحبة مكانا دائما بالقلب مهما بعدوا..
" البعيد عن العين بينور في ألبوم الصور " وهو ما يجعله كلما حن واستشعر الوحدة يجري لألبوم الصور ..
( كلهم منورين
وشوشهم بتبتسملي
فاتحين لي أحضانهم وأحلامهم )
ولهؤلاء فقط تتكشف الذات  وهم فقط القادرون بلا جهدٍ على هذا الكشف ..
( الأشعة الحمرا بتكشف المستخبي
ولا يساويها في الدهاء إلا عيون اللي بيحبوني ) .

كما أن  لوجود هذا الآخر بالجوار وطأة بما  يمثله  هذا الوجود أحيانا من عبء وثقل  ، تجعل من مجرد تواجده مأساة بما يشعه ويفيض منه من مشاعر سلبية ..
( احتياجك للفضفضة عيشه دور المصلح الاجتماعي
ولما نطر عرق الثقافة  .....  انفجر صدره وخرج منه الغول  ......  أول خطوة للكوارث بتبقى سهلة. لازم تعد فناجين القهوة بعد ما يمشي ) .
الذات حاضرة ومأزومة في هذه المجموعة من القصائد تطرح أزمتها الوجودية وسعيها للتعايش مع الواقع واحتوائه بكل ما يحمله من نقائض ومتناقضات ، تتعايش مع الوجع والألم في إصرارٍ على البقاء وتشبث بالبهجة
( السما مابتبتسمش زي أم لرضيعها
لكني لسه باضحك لما بافتكر موقف حلو
وأرمي ورا ضهري ) .
فما الذي يدفعها إذن لترى نفسها الشبح الباهت في الصورة المشرقة ( مفيش غير شبح باهت لواحد يشبهني )
أهي الأعوام الرتيبة التي تمر سراعا ذاهبة بنبض الحياة والأحلام ( عشر سنين فاتوا فجأة  كوم دوسيهات ماليها التراب
وأنا موظف أرشيف ف دراعي الأكمام السودة )
أم هو الوجع  الوجع النفسي والجسدي الذي أعملته فيه الأيام
( أطلع السلم  أعاني من وجع سمانتي  كأني طالع جبل  شايل دوسيهات لعشر سنوات  وضهري متشرخ )
( عطن السنين عالقلب روماتيزم )
أم هو الحنين ينزفه القلب في البعد عن الأحبة ..
(  أرقص عالإزاز زي حاوي هندي
يسقفولي   يناولوني الإزاز أمضغه
ليل يناولني للتاني  )
وهو يطرح لنا أسلوبه في ملاعبة الحياة والمحاولة المنهكة لأن يعيش ..
( أسلوبي إنك تعيش  زي مارد زي قزم واللا قرد
عيش..
بس تخلع أي حاجة مش بتاعتك ..
لأن قلبك أصله قلبك .................
سيب الأحمال وتعالى كمل
يللا نمشي . )
فهل يستطيع ؟ وهل تستطيع هذه الذات بما ترى وتعلم أن تنير لنفسها ولغيرها الطريق مع قسوة التجربة واحتدام السباق ..
( حكايات الضحايا عرفتني تمن كل شيء
كلنا في السباق
باجري كأني قاعد على ركبتي وميت من الضحك
باجري كأني باردد أغنية قديمة بتفكرني بذكرى
باسامح الأعداء ومش عارف أسامح الصحاب )
أم تنوء بحمل صخرتها الأبدية  صعودا وهبوطا لا يصل لشيء ( أشحت يوم إضافي عشان أثبت وجودي من جديد
نجمة جه عليها الفجر ومانورتش لحد ! ) .
في القسم الثاني من الديوان يطرح الشاعر هموم الوطن ، آماله و أحلامه له ، رؤيته للواقع البشع الذي  لا  يمكن لو استمر إلا أن يودي بنا إلى نهايةٍ مروعة فيرصد تحت عنوان " الزرافة تحت رق " بنصيها " الزرافة المحترقة " و" الزرافة منورة " ما حدث بمصر من اشتعال مجلس الشورى وتبعه مجموعة من الحرائق هنا وهناك
(  بداية عصر الاشتعال
تنطر شظايا على البيوت والناس ) بينما صاحب الهيلمان
باليمين يحمي نفسه بالشمسية وفي الشمال الصولجان ) ، هذا في الوقت الذي تتزين فيه القاهرة وتتبهرج لاستقبال أوباما..
( الزينة ممكن تكون نضافة
مش بالضرورة بهرجة .....
 آدي القاهرة بقت منورة من غير أهلها ) .
وهو يحاول ويواجه ويناور ويخوض التجربة ويتعلم ، فالمواجهة حتميةٌ أحيانا لكن بشروطه هو ووفق ما يؤمن به ..
(  لكني بافضح حيلك ومش هيخيل عليا شفايفك الباهتين
عارف إنك مش هتنتهي
لكني فاتح دراعي للحياة والوطن
ح افضل أراقب حركة المرور من غير ما أكره اللي حواليه ).
 وبرغم يا يعتري الوطن الكبير من وهن وبقدر ما هو طاردٌ له ولغيره من أبنائه لا يأبه لصراخهم من أجل أن يستنقذوه طامحين في التغيير أملا في الحرية ، فهي هناك له، موسيقاه للحياة " هدي " أمه  التي تتربع في قلبه مانحة إياه القوة والأمل ( زي عبارة بتريحك لما ترجعلها. أغنية تنعشك لما ترددها . هدى  حلم يجيلك يروق بالك. يحطك على أعتاب الصبح ) .
في  "سكة الحنين الطويلة " يبدأ المشوار نحو الحلم الكبير رغم وعورة الطريق ( يادوب بامشي خطوة خطوة   مش محبة في البطء   إنما رجليا بتغوص في الرملة  
 واعترف   أنا مكسوف أعيط ) . ف " الصحرا الواسعة كانت الوطن " لكنه لن يكف عن خوض السباق والنضال من أجله  ، فنراه يغني للأم المستحيلة :
( انتي فين يا سندريلا  يا بهية في الأغاني   وفي المتاحف     إيزيس   ......
مبروك عليكي العتاب وعلينا السباق ).
وفي صورتيه " الأسد والحمامة " و " الحمامة والأسد " يطرح لنا في رمزية شبيهة بحكايات كليلة ودمنة قصة مصر قبل وبعد ثورة 25 يناير فبعد أن تكون ( الحمامة تحت رجل الأسد ) ، تتغير الصورة لنجد :
( الحمامة رافعة راسها .
 الأسد مع السحالي في الجحور. ).
ثم يغني شاعرنا لوقود الثورة من صانعي الحرية ،
ضاربا ( تعظيم سلام للشهدا ) الذين رفعوا رأسه وجعلوه  فخورا بعلم مصر يضعه على البروفايل :
( في جسم الجبل طلعت الأعشاب
طلع الشباب الملهم
صحى العايمين على وش المية مع الرغاوي والغرقى والغربة عن الآحلام ......
مين اللي وقع ؟
مين اللي حاطط ودنه ع الأرض
بيسمع صوت الحياة الجاي؟
مين اللي حاضن الأرض وسابها حبلى في الأمان؟
كل طيور الحب خارجة من قلبه بتحوم حوالين الميدان ) .
وهل يكتمل الحلم ، ويستمر التغيير ؟ أم   ..؟
سؤال طرحه الشاعر مع صدور ديوانه في 2011 م وهو يرى بعين وعيه صعوبة المواجهة ومدى المقاومة التي تمارسها قوى الماضي التي لن تتخلى بسهولة عن أماكنها لدم المستقبل الجديد يجري في عروق الوطن ، ويرصد ذلك في "بطل ألاعيبك "،" ألاعيبك بطلها بقى " و " التغيير مالوش نهاية ".
أما القسم الثالث من الديوان والذي أسميته ب " مشوار المحبة" فهو تجربة إنسانية خاصة يتغنى فيها الشاعر بالمحبة ويغني للحبيبة في غزلٍ  حميمٍ :
( أي أرض من صلصالها جسمك العبقري
وأي نبتة حكيمة ضللت عليكي فبقيتي بالطهر ده )
وهو يرصد لنا مشوار المحبة لنشاركه فيه خطوة بخطوة فيبدأ ب " مشوار للجنة " وما به من حنين وقلق ومصاعب ينهزم أمام الحب حيث  " لسه الأمل في المحبة يقدر يشاء " ، فالحب هو الدافع للتغيير
(الحب يقدر يغلب الحزن مش كده
قلتيلي كده
كونتيلي بخيوطك الحرير حريتي
أجري ورا جنوني
قبل ما أقع تلحقيني )
والقرب هو الطريق  ل " أسعد الأوقات " به  يعبران كل صعب حتى يصلا معا إلى بيتهم العالي
( ومادامت جدورنا قوية .. نعدي من جوه الأرض للناحية التانية ) . فهما لم يكونا أبدا ( مجرد اتنين ولا مجرد موجوعين من العالم ) ، وهكذا يصل بالمحبوبة ل " أزهى ألوان الفرحة "  حيث  تبدأ أنا شيد المحبة  وتستمر ولا تنتهي .


ديوان سلموا عليا وكأني بعيد  
صدر عن دار العين بالقاهرة 




شايف يعني مش خايف






شعر عامية
#شايف_يعني_مش_خايف

مشاركة مميزة

بروفايل صالح الغازي

       الشاعر والروائي صالح الغازي  صالح الغازي - روائي وشاعر صدر له 14 كتاب - عضو اتحاد كتاب مصر. - عضو أتيليه القاهرة للكتاب والفنانين. - ...