صالح الغازي : الحياة قابلة للتنازل

___

من المعروف ومن حكم الزمان أن لكل شيء ثمناً ولا شيء بالمجان، حتى الحرية لها ثمن، نعم الحرية رغم انها معنى غير ملموس فإن لها ثمناً من الكفاح ومن أرواح الشهداء. هذا الجندي دفع حياته فداء لوطنه، وهذا العالم وهب حياته ليقدم لنا علما أو اختراعا للبشرية، وهذا المبدع وهب حياته ليقدم لنا إبداعا أو فنا راقيا يغير البشرية، وهذا الباحث أفنى حياته في بحث وصنع فرقا.. وتتراوح الأمثلة بين نماذج دافعها الواجب وأخرى المسؤولية وأخرى الحب الشديد أو حب التقدير أو الانجاز. وهناك نموذج تناولته مسيرات الكفاح في العالم كله، وهو تلك السيدة التي ترملت مبكرا وكافحت وتعبت لتربية وتعليم أولادها ولم تتزوج ثانية، وضحّت بكل شيء من أجل أولادها، التضحية هذه دفعتها من عمرها وجهدها وصحتها. وأمامنا النموذج المعتاد الذي تم اعتماده كدور أساسي، هو الأب الذي يعمل لبيته وأسرته وقد يمتد ذلك حتى بعد انتهاء أولاده من دراستهم لتزويجهم.. الخ. استغل العديد من أرباب العمل هذه الحاجات أو المسؤوليات فتفننوا في أخذ من حياة من يعملون معهم، كذلك الشركات الكبرى فعلت الشيء نفسه لكن بمنهج أكبر، فكان عندها نظم systems. وعلى كل حال سواء في الشركات الكبرى أو الصغيرة أو عند الأفراد، فهناك مجموعة أساليب تصب في السيطرة على الموظف أو العامل، تعتمد على مبادئ الأمانة والولاء وتحقيق الذات والإخلاص والاجتهاد بوسائل التحفيز المختلفة، تتراوح بين وضعه في ضغط شديد أو إبداء الغضب أو التهديد، وبين المكافأة والهدية والراحة واللين، وكأن هناك دراسة لنفسيات وحالات الموظف أو العامل أو المستخدم! وتظهر مجموعة من الألقاب التي هي أنماط في حد ذاتها مثل ابن الشركة، وحمار شغل، والذراع اليمين وغيرها. ورغم أي شيء احتياج الإنسان للعمل والانجاز مهم، وقيم العمل مثل الاخلاص والامانة وغيرهما شديدة الاهمية، لكن المقصود هنا هو التفنن من مؤسسات وأفراد في استغلال حاجة الموظف أو العامل، فمنهم من هو ماهر بالفطرة ومنهم من تعلم هذه الأساليب، أو حسب نظم وقواعد كما ذكرت. أما ذلك الانسان الذي تنازل عن حياته لهذا أو ذاك، فهل أخذ حقا مقابل مجهوده أم خدعه استحسان صاحب العمل؟ أو خدعته النظم وماذا يفعل مثلا اذا كان صاحب العمل متنمراً ويلاحقه ليستغله أو يسيطر عليه؟ أو حتى إذا كان نظام العمل يدير العمال بقسوة وبهوس؟ النماذج كثيرة، لكن الحقيقة التي تتكشف لنا أن الحياة رغم أنها غير قابلة للاختصار فإنها قابلة للتنازل!
مقال صالح الغازي/
١ نوفمبر ٢٠٢٠ في صحيفة القبس

مال الحريص يأكله العيار مقال صالح الغازي

الحريص معناه معروف. أما العيار، فالتراث العربي فيه حكايات عن العيارين والشطار والزعار والحرافيش والعياق والصعاليك والجدعان، وكل فئة لها سمات وملابسات تاريخية، يجمعهم أنهم يعيشون على هامش المجتمع وبطولاتهم خارج القانون، وقد لاقت اعجاب العامة. كأن العامة أرادت أن تدين نظما استأثرت بالثروة والسلطة بتمجيد بطولاتهم، ولا نعجب حينما نسمع قصص التسترعليهم والاشادة بأفعالهم كونهم نجحوا في التعبير عن الرفض الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وكانت لهم أدوار بارزة في صد الطغاة والمحتلين والقوى الخارجية، حيث كانت النظم تنهار في هذه الفترات، فيظهرون هم ونجد ذلك في العراق والشام ومصر، مثلا الخليفة العباسي استنجد بالزيبق لإخماد الفتنة عام 443 هجرية. وقد سجل المؤرخ والباحث العربي على مر العصور اعجابه بالعديد منهم، ونسجت القصص الشعبية عنهم مثل «على الزيبق ودليلة المحتالة وأحمد الدنف وابن حمدي لص بغداد الطريف كما وصفه التنوخي والشاطر حسن»، ويروى أن عدد العيارين في انتفاضة أيام الفتنة بين الأمين والمأمون وصل الى مئة الف عيار! ولا يعقل أن يكون اتباعهم من الذعار. وكما ورد في كتاب الشطار والعيارين للدكتور محمد رجب النجار أن دليلة المحتالة كانت تقود أربعة وعشرين ألف عيار في سيرة علي الزيبق. فهل يعقل أن يكون هذا العدد كلهم لصوص؟ بما يعني أن العامة كانت معهم! وعثمان الخياط الذي سمي الخياط، لأنه نقب على أحذق الناس وأبعدهم في التلصص وأخذ ما في بيته وخرج وسد النقب كأنه خاطه فسمي بذلك، ووضع أسسا للعيارين، وكان يقول «ما سرقت جارا وان كان عدوا، ولا كريما، ولا كافأت غادرا بغدره» ومن وصاياه «اضمنوا لي ثلاثا أضمن لكم السلامة، لا تسرقوا الجيران واتقوا الحرم ولا تكونوا أكثر من شريك مناصف، وان كنتم أولى بما في أيديهم لكذبهم وغشهم وتركهم اخراج الزكاة وجحودهم الودائع». وقد تراوحت الحكايات وعبرت من بغداد لمصر للشام، فقد نسب الزيبق لمصر وبغداد في وقت واحد، وهذه الظواهر تبلورت في مصر في القرن الـ19 باسم طائفة الجدعان ثم انتهت عند الفتونة. كتابات الجاحظ عن اللصوص كانت دستورا للعيارين، حيث ميز بين انماطهم وتتبع حكاياتهم، وأبرزها حينما استوقفوا قافلة وسألوا كل تاجر فيها منذ متى وانت تتاجر، فقال من كذا سنة، فقال وهل كنت تخرج الزكاة؟ قال نعم، فسألوه كيف كنت تخرجها.. فتلجلج وعلموا أنه لا يعرف كيف يحسبها، ومروا عليهم ووجدوهم كلهم.. هكذا فكانت لهم! الآن اختفت هذه الظواهر، وحبست في الكتب والدراما والسير، وظل المثل الشعبي يتندر بهم.
مقال صالح الغازي 


#من_شباك_الباص
في جريدة القبس الكويتية 
عدد الجمعة والسبت  ١ _٢ نوفمبر ٢٠١٩

مشاركة مميزة

بروفايل صالح الغازي

       الشاعر والروائي صالح الغازي  صالح الغازي - روائي وشاعر صدر له 14 كتاب - عضو اتحاد كتاب مصر. - عضو أتيليه القاهرة للكتاب والفنانين. - ...