تحريك الذهن بين الكشف والإكتشاف فى ديوان الخروج الى البيت للشاعر عصام خليل


يطل علينا الشاعر عصام خليل بديوانه الأول الخروج الي البيت، يوحى مجمل الديوان أن هناك عالماً أوسع علينا اكتشافه أو إعادة اكتشافه سواء كان في بدء الخروج او نهايته أو مكانه حسبما قسم الشاعر نصوصه.

بمزاجه الشعري الخاص استعان بالمشهدية في أغلب القصائد، أو أضفى وجهة نظره بتعريفات خاصة مثل تعريفه لحواء"أنا فتات السماء".أو استعماله لألفاظ ومعان عامية أضفت حيوية على كشفه فمثلا في قصيدة أمام المقهى (ملابسها لا تشبه ماترتديه الزوجات /تراب الحوش كهدومنا) لاحظ اللفظ الفصحى ملابس لها وللمفارقة استعمل اللفظ العامى (هدوم) وكأنه يشير للتناقض من خلال مستوى اللغة ، و كما فى قصيدته مئذنة لفظ (يهمدوا) وفي قصيدة عمال الهرم لفظ (يطبطبون) وفى قصيدة يوميات الغرفة تعبير (الشمس في الباي باي) و (أبرد رأسي بالشاى) الخ.

وفي اطار الكشف والاكتشاف قدم الشاعر انتقالات تحرك الذهن ف انتقل من الجمع للمفرد مثل في قصيدة العرجون(نقترب.....انتهيت)ومن الغائب للمخاطب مثل في قصيدة قيلولة (انا مثلك... /برازهم الهائج...) الخ.
لكن في الديوان صورتان رئيستان لتحريك الذهن في اطار الكشف والإكتشاف اتكأ عليهما الشاعر ،الصورة الأولي هو تحميل القصيدة مستوى دلالي أعلى وقد استعملها في نهاية قصيدة العرجون(هكذا بدأ الخلق تباعاً) وكأنا يحفزنا علي القياس بمنطق القصيدة ،ونهاية قصيدة قارئة الفنجان (لمن سنخرج في بلاد تشبه الفحم واعقاب السجائر) فيحيلنا الشاعر الي الانتقال من الخاص الي العام من تفاصيل الحياة الي السواد والعطن في البلاد...الخ.

والصورة الثانية التى استعملها الشاعر لتحريك الذهن تجلت في قصيدة المهاجر ص45 وتناثرت في الديوان ليشغلنا بالبحث عن علاقات بين اللغة والمعنى سواء باستعمال ما يمكن إطلاق عليه المجاز العقلي أو باضافة توصيف يجعل ننشغل بالتفكير فيم يقصده الشاعر، فمثلا فى قصيدة رحلة نيلية يقول :(النيل في الجنوب يشبه جذور البطاطا) أو (الطمى المحبوس عرق الحواة).وايضا في قصيدة مئذنة(نتوء فى حنجرة مئذنة) وعن مصير المئذنة(انحل نصفها لحجارة الانتخابات) وفى قصيدة المقهى (موتور السيارة ترك علامة فى الاسفلت وفى الجلد) وص35 نهاية قصيدة العرجون (لكن ملحه أفسد الانحياز للجدران) وفي قصيدة يوميات الغرفة (تريد فسحة لفرد عجينك على ملاءة حارة) وفى قصيدة جثةص57(من فائض الاسمنت في الكفن) وعبارة(البثور أكبر من صلاة الجمعة)وفي قصيدة قيلولة تعبير (الثديات القلقة) وفى قصيدة عمال الهرم (الشيطانان تمشيا على نصف الحجارة ) فغير مفهوم مثلا من الشيطانان وما مدلول وصف المخدة بالأسيرة؟،كذلك في قصيدة العرجون نشبيه الصراط بحجارة الانتخابات ..الخ.

صالح الغازيوأخيراً أتوقف عند هاجس حينما يذكر في الشعر أو في أي ابداع فإنه يدعو القارئ للإنتباه وهو هاجس الجنس والذى وظفه الشاعر بين الإحالة لدلالة ما أو كتفصيلة حياتية للحالة نفسها .فمثلاً فى قصيدة عمال الهرم (نمطر شبابيك نسائهم ،نفردهم كعجينة البيتزا ،نلحقهم فخذا بفخذ) نجد استعمال الجنس كأداة، يشير لمؤامرة عن الشرف تدار من وراء رجال تشغلهم خدعة الانجاز ،وفي قصيدة أمام المقهى (أريد أن أصب صفيحة لبن فى الخيال على كل انحناءة فى هدومك /على الكسر الملموم بين جلدتين)هنا تفصيلة للحالة ذاتها وجاءت بأوصاف واشارات صريحة كذلك مثلاً في قصيدة الطريق الى هناك(وانت تلوثها كوحش) وفى قصيدة يوميات الغرفة ( كنت سأنام لكن شيئا عند الخاصرة يقاوم) و الاشارة للاستمناء (أنام خمس دقائق مع واحدة بالصابون ) ...الخ

قد يكون ملمح تحريك الذهن والاستعاضة عن المثل العليا والقيم المباشرة بأمثولات مادية نستطيع اخضاعها للكشف أو الإكتشاف ،قد يكون ذلك مدخلا لقراءة ديوان " الخروج الى البيت " الصادر عن دار روافد 2013 ،حيث اللغة مكثفة والدلالات تلامس الغموض أحياناً وتجاوز الحدة غالباً،منتقلا من الخاص إلى العام ومن مستوى دلالى الي آخر، فى أقسام الديوان الثلاث (الخروج الأول /الخروج الى هناك/الخروج الأخير) ،وقد لمست تميزا خاصاً فى قصيدته الطويلة (فى الطريق الي هناك) ص41 وكذلك قصار القصائد حلم / جرأة / جرس/قيلولة /لم أعد اكتب/ حسرة / رسالة / بعد المغرب /جلسة الجمعة.

تمنياتى بالتوفيق

مقال صالح الغازي
كاتب وشاعر مصري
رابط المقال
http://www.jehat.com/ar/KhuthAlketab/Pages/saleh19-12-2013.aspx

أنا بأرقص لوحدى...قراءة فى ديوان كأنى قادر أحب للشاعر وليد طلعت

أنا بأرقص لوحدى...قراءة فى ديوان كأنى قادر أحب للشاعر وليد طلعت
بقلم /صالح الغازي
***************************************************************
ا نا بأرقص لوحدى
قراءة فى ديوان كأنى قادر أحب للشاعر وليد طلعت
رؤية: صالح الغازي
"دخان كتير .. واحنا وراه بنرقص ..دخان كتير ..ومداري تشبيك الايدين والصدر أتمنى لو أصحى ..ألبس قميص أبيض ..وأحب شكلى فى المرايه ..أضحك لنفسى وأقول صباح الخير"
قد ايه فيه مشاعر بصفا ووضوح وقرب ،مشاعر طفوليه مليانه بالأمل رغم القيود ورغم اختلاف الملفين الأولانيين عن الاخيرين لكن بيميز الجزء الاول من الديوان احلامه المتوهجه والرومانسيه والتشكيلات المبتكره الخاصة فى قصايد ولد وبنت وتخليق وانفخ بروحك وضلين وبحر وصورهم اللى تعلق فى الذاكره زي " أنا زي حتة طوبه مرميه "وغيرها.
و فى محاولتى ملاحظة سمات الملفين الاخرين للديوان لقيت ان له سمات شعريه خاصة متفرده ومختلفه فى اعتماده على تفاصيل حالات ( الوحده/ الكسوف / التمنى ..)وهواستعملها كادوات تساوي اللفظ فى القصيدة ورغم قلة الحالات اللى استعملها واللى استعملها احيانا بالحاح /تكرار لكنها ظهرت بشكل مؤثروقدر يكسب بها انتباه القارئ.
∆∆∆∆∆∆∆
1-الكسوف م الذكريات والبنات :
ف قصيدة( نفس الدوخة )" نفس الدوخه والقلق الجوانى قوي ..بالظبط كأنى رايح اول يوم الكليه ...حاسس ان الناس هتتفرج عليا" و الكسوف ومش مجرد رد فعل عابر انما رد فعل بيتطور لحاله اساسيه.
ص73 " قررت أقرب شاكك خالص انى أقدر " التردد والشك فى القدره ..وقصيدة (بشكل مناسب )نفاصيل تانيه للكسوف.وعن عدم الرضا عن النفس وعدم الثقة " تحاول تبلع صوتك اللى الناس بيسمعوه بشكل مختلف لدرجة انك ما بتصدقش .فانهزام الصوت وتراجعه فيها رؤيه مختلفه لرصد مدي ضيقه من اختلاف الصوت من تخيل صاحبه للمسموع فعلا . وفى نفس القصيدة رد الفعل لبصه من فوق لتحت يكون الكسوف " مشكله كبيره وهيا بتبصلك من فوق لتحت وانت مشلول فى جسمك ومش عارف تهدى رعشتك" وبطريقة تعرية الذات والمواجهه بيرصد قدام بطله اعراض واضحة للكسزف وهي الششلل والرعشة !وعن تبرير الاخطاء والتصادمات هو الكسوف سبب للمشكلات ."وانت ماشى تبص بنص عين على واجهة محل ازاز مستنى يكون شكلك مناسب وكل مره تتصدم" .
وبنفى الحالات المسببه للكسوف ممكن نستشف انه من البنات..فى قصيدة( كأنى قادر احب)
"مكسوف م البنات المرصوصين ع السور /رغم ان الجزمه مش بتلق فى رجلى /والشراب لابسه من على الحبل "
والمكسوف مستغرب ان كل حاجه تمام الجزمه ما بتلقش والشراب نضيف ..يعنى هو مستغرب م الكسوف والفرحة اللى تقدر تنهى على الكسوف ظاهرة فى قصيدة لها
" فرحه واحده بتكنس من قدام البيت طابور طويل ../ومش مترتب من مشاكل الدنيا المخجله../فرحه واحده تغير حاجات كتير"
والكسوف نلاقى له سبب تانى هو مشاكل الدنيا ..والامل هو فى التغيير او حلمه هو فرحه ..بمعنى انه مايكونش كأنه بيحب يكون بيحب فعلا ويبقى الحب حقيقه مش رغبه. الفرحه دى هى الكائن الخرافى الوحيد اللطيف اللي بيخليه يبص لفوق ويبتسم ويخرج من كسوفه. وعلى عكس قصيدة لها نلاقى قصيدة (لوحده )فيها القهر زي دخول كليه مش بتاعته ونظرات الاخرين وبيكون ردفعله النهاى "يبص للارض" كسوف بلا أمل .ورد فعله بس الكسوف الشديد فى قصيدة الهروب من الشارع " أنا زي طفل وحيد عاملها على نفسه ..ماشى ميت م السقعه "
فى قصيدة( كأنى قادر احب) " وحيد وعرقان ومكسوف م البنات المرصوصين ع السور" وفى نفس القصيدة " الشارع مش عايز يخلص طول ماهم قاعدين" وكأن الاخرين سبب النكسة ودى رؤيه وجوديه صعبة.وبتظهر علاقه مهمه بين الوحده والكسوف عند استرجاع الذكريات فى اماكن بقى غريب عنها حاليا.فالكسوف استعمله الشاعر وكان سببه اما وجود الانثى او الذكريات وأعلى درجات الحاله اللى بيصر عليها لما بيوصل الكسوف لدرجة الوحده.
2- الوحده
فى قصيدة( الهروب م الشارع )" انا زي طفل وحيد" فى القصيده دى تمثيل مثالى للعزله التامه بالوحده والكسوف.
قصيدة (عرايس) مستوي تانى من الوحده .وهوانهم اصدقاء مع بعض دايما مكشوفين لبعض لكن كل واحد منهم له خصوصيات والخصوصيات دى هى علاقة الاخر بالانثى على انها مستوي من الوحده ."رغم اننا بننام عريانين جنب بعض ...تلفون يرن ...باب يتقفل ...ويسك على كلامه ويا حبيبته ..." وفى نهاية القصيده عباره مهمه جدا " للرجال فقط" وده مستوي من مستويات الوحده .فى المخيله الذكوريه لعدم وجود الانثى/ الحبيبه .
ص45 فى قصيدة دخان كتير بيطلب من عيال الرب انهم يحبوه عشان ما يحسش بالوحده" حبونى قوي علشان ما شعرش بصدري يفضى عليا " فالشاعر مأزوم بوحشة الوحده.ص22 فى قصيدة( بنوته) كرد فعل للقهر اللى نتيجة لمعرفة بنت على أده وظهور بنت أعلى منها كمؤشر للطبقيه الاجتماعيه انه بيغرق فى التفسير " وانا غرقان / وبافسر سر الوحده وسر الحزن" فالوحده اهم ملامح الديوان وموضوعه الاساسى كجزء من حالة اغتراب بيرصدها الشاعربنتهى الدقة .
3- الاحلام كوابيس
الحلم هو الامنيه اللى دايما بتبقى كابوس .فى قصيدة (الهروب م الشارع) " الحاجات بتحصل فى الحلم عشان تزنقنا فى الشوارع واحنا صاحيين"والحلم هما بيحسسنا بأزمتنا أكتر من انه بيخفف عنا وكأن حتى الحلم نفسه جزء من واقع المأساه الانسانية لحالة العجز.
وفى قصيدة زي نايم بيفسر الاحلام بشكل يقلل من وطأتها "المشكله انك تبقى مطارد بشوية صور بنى ادمين كائنات غريبه عملها دماغك" وقصيدة الهروب م الشارع الحلم /الامنيه المستحيله رد فعل للخجل والكسوف"كنت باحلم انى باضم كل قرايبى البنات ضمه اخويه" .ومن المشاهدالكابوسية للناس كما يراها فى قصيدة( الهروب م الشارع) " الوشوش بتفتح بقها وتقفله تاخد نفس وتطلعه ..الخ". وبيكما مشوار الحلم/التمنى والعجز فى قصيدة (الخوف تراب أولانى )" رانيا بتطلعلى فى الحلم فيتهز السرير من غير ما أعرف" فيبقى الحلم او الحل الاساسى هو الانثى .
4-المقاسات والوسع
من قصيدة (بشكل مناسب) " الهدوم بتكبر مقاساتها " "فورا بتطلب مقاسات مختلفه" اتفجرت ثورة المقاسات لارتباط الحضور للفرح بوجود بدله فالظروف غير مهيأة عن الاحتياج ف بيقول " تبتسم لاخت صاحبك معناها لسه بدري " و قصيدة (سوء تفاهم ) من اجمل قصايد الديوان .ملاعبه لطيفه ورايقه بمنطقه الخاص ( صور الاشعه ) كدليل مادي على وجودهم " اخيرا اقتنع اصدقائى انى واسع فعلا وفهموا كويس ازاي قادر اشيلهم فى قلبى فى وقت واحد" فرغم كل المأساه التى تظهر فهو يقدم انسان ودود له صداقات مش منطوي . وص45 حتى انا بقلبى العملاق مش ح اقدر استحمل كل ده " فى قصيدة ( عرايس) " محتاج قوي لضمة توسعنى " عن مشاغبة العرايس له وتركهم له قدام مشاغلهم. وفى قصيدة (عايز أنام) بيقول بعد شوية تهديدات وتحدى فيهم غرابه بيهجر النوم وبيقرر يشرب علبة سجاير كامله كنوع من الرفض والاعتراض وبيتغير الوسع عشان يبقى حاجه مخيفه " انا واسع زي مغاره ضلمه غميق بس سهل اتقاد بشمعه "
فالوسع سواء كان سعة الصدر للاخر والاحتواء لاصحابه او احتياجه للحب او شعوره انه مخيف فهو دال مهم و متفاوت فى الديوان .
∆∆∆∆∆∆∆
بياخدنا الشاعر برؤيه اساسها الوحده والكسوف وسقفها الحلم والوسع عشان يرصد القهر وازمة وجوديه لانسان بينشد الحياه فى سلام بعيد عن الحاجات الجسميه والمشاكل الاجتماعيه والذكريا المقلقه اللى مالوش ذنب فيها .
الديوان كله بينشد الحب والاكتمال ،ديوان كأنى قادر أحب الديوان الاول للشاعر وليد طلعت صدر فى طبعه خاصه برسمةمميزه على الغلاف للفنان احمد الجناينى..
*********************************************************************
تحياتى للشاعر وتمنياتى بالتوفيق.
المحلة الكبري -مارس 1998

مع مين ضد مين قراءة في " الروح الطيبة " كتبها ا. حاتم مرعي

منذ صدور الديوان الأول للشاعر صالح الغازي ( نازل طالع زي عصاية كمنجة ) نلاحظ انتمائه إلي جماليات قصيدة النثر وشعر التسعينيات ، تخلي الشاعر عن القوالب الجاهزة والأشكال المجازية الكلاسيكية مقابل بناء القصيدة المشهدية التي تعتمد علي استخدام آليات فنون أخري ( بصرية – قولية ) ، اهتم في طرحة الشعري بالجزئي والهامش والحركي والذاتي ، والتعبير عن الواقع اليومي الشخصي والاحتفاء بالحواس ، نلاحظ هذا من  عنوان ديوانه الأول الذي يكشف لنا عدداً من الترابطات والتناقضات في الذات والمجتمع ، ففي قصيدة ( مدلدل رجليا بعاكس بجزمتي روس اللي قاعدين )، نلاحظ طول العنوان ومحاولة صناعة مشهد جزئي من هذا العنوان يتضافر مع المشهد الكلي للنص الذي يستدعي فيه الشاعر تجربة رحلة في قطار درجة ثالثة وهو يجلس علي رف الأمتعة فوق رؤس الركاب ويرصد عالم الدرجة الثالثة ، بداية من بائع الكوكاكولا وحتي البنت الصغيرة التي تصرخ في الزحام ، فمن خلال هذا المشهد البصري المحدود يرصد لنا هذا العالم الذي هو جزء منه لكنه لا يتفاعل معه بشكل أو بآخر ، يكتفي فقط بالمتابعة البصرية يقول     
 البنت 17 سنة بتصوت في الزنقة  

طبعا مش هارميلها حبل واشده  

عشان  أخدها جنبي أنشفلها عرقها ) 

     نلاحظ الموقف الانسحابي للذات الشاعرة ربما لقناعة الشاعر بأن زمن الشاعر المخلص والفارس قد ذهب بلا عودة لكنه يتحول في قصيدة أخري إلي موقف إنه إيجابي يتسم بالثورة والتمرد علي الواقع والرغبة في كشف زيف هذا الواقع للخروج به من حالة السكون والبلادة يقول في قصيدة بيتك بيتك

جيت لكم
 أنزع من راس الأشجار باروكتها
 أقطم كل العواميد  الواقفة زي الألف
أحرق كل الإطارات

وازووم

الديوان الأول للشاعر تجربة بها خبرة جمالية بالموروث الشعري ووعي بالطرح الجمالي للشعر الحداثي وفنيات قصيدة النثر إلا أنه لا يتخلي نهائياً عن وعيه بالموروث الموسيقي والتراتب الصوتي للكلمات والأحرف يقول ( إمسك عصاك عساك )
قصيدة بطاقة بريد ، ( يا خنقة العصفور الأخضر في ليل أغبر ) قصيدة قصيرة ربما ليؤكد أن تجربته الشعرية نتاج لهذه الموسيقى وإن اتخذت قوالب وأشكال أخري في ديوانه الثاني ( الروح الطيبة ) والصادر عن كتاب المرسم الإبداعي دار إيزيس سنة 2008 يسعي الشاعر إلي تأكيد تجربته وتحرير نصه من البلاغة الزائفة ليعبر عن إنسانيته الخالصة ويطرح أسئلته الخاصة بوجوده الحي .
·        النهاردة أنت مع مين ضد مين ؟ هذا السؤال الضمني في أول نصوص الديوان يضعنا في حيرة الإجابة فنحن بالفعل نحيا زمن التكتلات رغم عدم الانحياز لقيمة إيجابية ما يقول في بداية النص
دايما الجموع متعبة  

وكل واحد                              

ملزوم ينفرد بواحد  

يطلع في الباقيين عيوب الدنيا 

     ولو مالقاش حد   

ينفرد بنفسه    
     فالإنفراد بالأخر أو بالذات لا يعني غير الثرثرة والنميمة علي الأخرين وفي نفس النص يقول شايل معايا زمزمية متعبي فيها حكمتي المكبوتة مستني تحقيق قصيدة " في الطريق لتورتة الزفاف أسلي نفسي بتصليح عدسة نضارتي اللي بتتكسر قدام المواقف المستحيلة ) 
·        الشاعر هنا لا يلجأ للرموز والمجازات  وغير مشغول بالبحث عن معنى نهائي مع استدعائه لقصيدة من ديوانه الأول وهي في الطريق لتورتة الزفاف " هذا الاستدعاء والتداخل بين النصين يستدعي أيضا مراجعتنا لهذه القصيدة والتي يقول فيها وفي كل خطوه علي السجادة الطويلة     /     يلبسوا بعض ملابس الزفاف ، جرافته .. طرحة ، تخشي إيده  شعرها موده – يا سلام لما تملي تقاطعك عيني ، ورا الشيش بيتلصص عليهم ، يموتو في جلدهم ، ف ، يدور الفراش الملون حوالين راسهم " هذا الاستدعاء مرتبط بفكرة الزمن الحاضر أو اللحظة التي تقف فيها الذات عاجزة ووحيدة تسعي لتحقيق حلمها المشروع في الزمن الماضي لهذا نجد الشاعر يضع نفسه في اللامنطق  ويقدم لنا حكايته مستخدما  وسائل القص وتقنياته يقول

·        الست بتتخانق مع العربيات بحكمة شعرها الأبيض ، 

وبحنية واخدة جوزها تحت جناحها  

وبتعدي الشارع ، 

     لكل واحد الروح الطيبة ،  

اللي  ما بتتعاملش معاه علي إنه لوحة نشان ، 

     ممكن تكون قدام العين مستنيه تفتح    
نص " الروح الطيبة " الذي يصدره الشاعر بجملة افتتاحية منفصلة ( وجودي بيطغي علي كل شئ  يعطينا الايحاء بأن الكتابة ليست فقط للجسد والاتهام به علي اعتبار أن هذا هو ما يملكه الإنسان ويسعي لاكتشاف أسراره وخباياه ، فالإنسان أيضا روح قد تكون شريرة لكن هناك دائما الروح الطيبة والتي من الممكن أن تشرق وسط صخب الحياة وشرورها لا يعني هذا بالطبع أن الشاعر مهموم بتصدير فكرة الطيبة والتي ترادف في الوعي الشعبي السذاجة أو عدم الحرص أو العبط ، الروح الطيبة هنا قرار بعدم تعكير صفو الذات لسبب خارجي ما سيطرة الروح الطيبة بإرادة الذات هي السبب الحقيقي للفرحة 
يقول في قصيدة " الفرحة ألوانها كتير ، صـــ 16

 مشيت كتير ،

وفي كل لفة يتغالس عليك بياع الورد ،  

يا خدك من نفسك ، 

إنت ماكرهتوش ،

 إتعاملت معاه كأنه لون من الفرحة

قد تكون هذه السيطرة هي أيضا السبب الحقيقي للإحباط والاستسلام لبؤس الواقع يقول في قصيدة ( إنتظار ) صـ 23

 الأتوبيسات تخبط كتفها في كتفه ،

 وهو محافظ علي التكشيرة ،  

فارد جسمه بالعافية ، 

     عايزة منه إيه ؟  

     ياخدك بالحضن ويخلص 

     الوقت فات بسرعة 3 أتوبيسات راحت ورجعت  

ـ والشمس هانم
، ما سكه جزمه ،  

وبتديك فوق رأسك ، 

     إنت صعبان علي قوي   
     هذه الحالة الوصفية  للانتظار تحت الشمس الحارقة بالتأكيد تخلو من أي معنى للفرحة أو السعادة 
هل سيطرة الروح الطيبة علي الجسد هي السبب المباشر في الشعور بآلام هذا الجسد والقلق والاضطراب الذي يعانيه نتيجة سيطرة الروح الطيبة عليه ؟
·        نصوص الديوان تطرح الصراع الداخلي وازدواجية الطبيعة الإنسانية ما بين الخير والشر والروح  والجسد ، نجح الشاعر أن يجسم لنا مشاهده المرئية والتشكيلية مع طرح همه الشخصي ورغبته في تعميق الفكرة الشعرية ومنحها الحق في أن تخلق شكلها وتطورها كما يحفر النهر مجراه " يقول في قصيدة ( بين الحضور والغياب صــ 36

 يا تري قلت إيه مسك لو الأرض تنشق ، 

     بلاش ندي فرصة لحاجات بسيطة تزعلنا ،  

عيون شاردة في لهب الشمعة الرقاص ، 

     ناوية تمشي ،  

أنا .... ،  

ح أستن الملاك الصغير يفرد جناحيه ، 
     وصابعي متثبت فوق لهب الشمعة     
ينسج الشاعر هنا عالما يخصه وحده فبرغم بساطة المشهد إلا أن هناك عمق في طرح الفكرة الشعرية يضعنا في النهاية أمام مشهد خيالي حلمي بلغة لا تميل إلي الفوضوية ولا تنحاز لفكرة التفكك اللغوي لكنها تسعي إلي استخدامات صوتية مغايرة ، يقول في قصيدة ( إكرام المريض صــ 16 
    الزمن كبير ،  

أكبر من  هتلر ،  

كان ممكن أبقي زعيم ، 

     لكن أحب أبقي مع نفسي 

     عادي 

     روحوني بقه ، 

     لو ماروحتونيش ها أطير  

كده طب ف ف ف ف وووو ) 

     يترك لنا الشاعرأحيانا فراغات منقطة داخل النصوص فنري أحيانا جمل غير مكتملة ربما لأن تعدد مستويات اللغة ، والجمل الغير مكتملة من السمات الجمالية لقصيدة النثر بشكل عام يقول في قصيدة ( يوم جديد مغامرة جديدة ) صـــ49 
    ما تنساش ،

المكان اللي يريحك خد منه تذكار ، 

     تفتكر به المواقف الحلوة 

     وخد منه تذكره رجوع  

بأنك تختار أمنية تحققها لأعز الناس فيه 

     أنا مش فاضي ، ح أقابلك أخر اليوم ، 

     علشان أشوف معاك كام تذكار 

   (  إلا إذا 

نري في هذا النص وفي نصوص أخرى المزج ما بين السخرية والخيال ينتج عنه المفارقة المدهشة يبدو ذلك جليا في قصيدة أخرى بعنوان ( بطل حقيقي ) صـــ 53 
اللي قاعد وسط الصخور ،

 يشرب الخمور الرخيصة ، 

     أبو تجاعيد منها ره ده ، 

     كان شعره أسود طويل ، 

     تتشعلق فيه الملايكية تلاعبه ، 

     وتقف علي كتفه تحارب معاه ،  

كان أشجع محارب          
هذا المزج ما بين السخرية والخيال في وصف شخصية هذا البطل المأزوم أو المهزوم لا يوصلنا فقط للدهشة ولكنه يشعرنا بحجم المأساة يقول في نفس القصيدة 

             كل الراويات والأساطير 

     هو اللي حكاها 

     ونقلتها عنه كل الألسنة ،  

أرجوك ، 

     لو هتروح له ماتفكروش  بالأسامي دي ، 

     لأنه بيتشينج ويخبط دماغه  في الأرض ، 

     ويشتم أي حد يلمسه ، 

     والدموع تنزل من كل حته في جسمه ، 

     خليه يكلمك في الموضوع اللي يختاره  

ويحكيلك لوحده
الشاعر هنا يطرح مأساة محارب أو بطل بشكل إنساني بتحوله إلي مجرد صعلوك شرير يشرب الخمور الرخيصة لكنه مفعم بالحس البطولي النقي ، لم يورط نفسه في دور الفيلسوف أو المستغل للمواقف هو مجرد بطل شريد لا يقول غير الحقيقة التي يعرفها ولا يجد في النهاية غير الدموع ، هو بطل متوقف معطل ، سابق ، يمتلك حقيقة معطلة وشريرة يطرح الشاعر سخرية مريرة تضعنا أمام أسئلة عن معني السعادة الذكري البطولة الهواية ، الوجود الإنساني بشقيه  الجسدي والروحي ، يحول الأشياء إلي نقيضها في نسق شعري غرائب ، يقول أيضا في قصيدة علي سور الكورنيش


لما الليل يتخفي ويبقي نهار

ولما يبقي فيه تأثير للهوا 

الأرانب تبقي أمواج  

     الطيور تبقي ناس مالهاش قناعات كافية 


هل لهذا النسج الغرائبي علاقة بفكرة العود الأبدي والخلق الدائم للأشياء ..؟ 
ربما ! وفي قصيدة برنجي .. كنجي .. شنجي ) يقول

3 لمبات صفرا بتحارب الريح ،

قول سكرانين
واقفين وسط صحرا ضلمة
، وفاكرين نفسهم 3 نجمات ، 

     لكنهم منورين فعلا ، 

     لا تنين شخصهم  بيتغير كل يوم ، 

     لكنهم دايما إتنين
يصور لنا الشاعر عالم الجندية والحراسة الليلية والوضع الثابت للجسد أثناء الحراسة والملل والإرهاق الجسدي من كثرة الوقوف يقول  
   الوقوف تعب الرجلين والضهر ،  

ففتحوا بوابة  الحواديت ،  

ولما الريح زادت وقفلتها ،  

إضطروا  يغنوا ، 

     ولما خلص الغنا ،  

لقو نفسهم مسكين في بعض ، 

     ولما الزهق إتسلل ،  

ومسئولية الحراسة ضلمت العيون ، 

     مسك كل واحد قلم ، 

     وفضل يكتب ع الحيطان 

     بإخلاص غريب .

نصوص الديوان تطرح لنا الروح الطيبة للذات الشاعرة والتي تتخفي بين الجموع المتعبة تارة وراء أكياس الشيبسي تارة وبين صخور بحر الإسكندرية تارة أخري لتتحول بعد ذلك إلي هيئات مختلفة سلحفاة سفينة ، حصان ، طيارة إنها روح المفارقة المدهشة التي تسيطر علينا منذ بداية الديوان وحتي نهايته لتضعنا أمام مغامرة موحية وتجربة شعرية لها خصوصية لا تعتمد علي الوصفة الجاهزة لقصيدة النثر لكنها تسعى "إلى التجريب الذاتي بالتداخل مع فنون بصرية أخرى في صدارتها الفن التشكيل يقول في قصيدة ( الفرحة ألوانها كتير صـــ  15
 سيب الريشة للحركة الحره ،

سيبها ترتجل ولا يهمك ،  

حواليك الألوان الزاهية ،  

وقاعد براحتك

 ويقول في قصيدة قالت واحدة واحدة ) صــ 27  

 باصص للطريق الضلمة المصفوف بالشجر

     في البلد دي الواحد – بالعافية – يبص شبر قدامه ،  

الجنايني قاللي كده ، 

     وهو بيشاور علي اللوحة اللي بيرسمها
والجنايني هو الفنان أحمد الجنايني  التشكيلي المعروف  صديق الشاعر وصاحب لوحة الغلاف للديوان والتي تضافرت مع الرسوم الداخلية لرحاب إبراهيم والنصوص لتصنع لنا عالما شعريا مختلفا وتجعل من ديوان الشاعر صالح الغازي ( الروح الطيبة ) لوحة  مكتملة لا يمكن قراءتها إلا من خلال عنصر التشكيل في النصوص وعنصر الشاعرية في لوحة الغلاف والرسومات الداخلية للديوان. 

حاتم مرعي-السويس
نشرت القراءة في كتاب العامية كنز الابداع
ونشرت في  عرب نيو
علي الرابط

دراسة أ.خالد الصاوي: المادي والمعنوي في ديوان سلموا عليا وكأني بعيد..

استهلال
تسيطر حالة الهدوء الإيقاعي على الديوان وكأنك تشعر بخفوت حدة التوتر والصراخ في ذلك العالم الذي نعيشه ، وذلك يرجع للذات الشاعرة التي استخدمت الحديث عن نفسها ومعها دون صراع بين أطراف تتنازع ، بل هو صراع خفي يحمل في طياته التأمل في طبيعة المكان والأحلام "إلى مكان يساع القدم والأحلام " المقدمة .
مستخدمة الذات الشاعرة ضمائر المتكلم ويظهر ذلك جليا في عنوان الديوان الذي يتكون من جملتين الأولى فعلية تنتهي بياء المتكلم والثانية اسمية حالية وتبدأ بياء المتكلم بعد الحرف الناسخ كأن ولو حذف الناسخ " كأن" فيصبح الضمير المتكلم له صدارة الجملة الثانية ونلاحظ أن استخدم واو الجماعة تعبيرا عن الجمع الغائب ، في مقابل المفرد الحاضر / الذات الشاعرة وتقارب المسافة اللفظية في تكرار ياءالمتكلم هنا ليخلق ذاتا قوية تتوازى مع الجمع الغائب إضافة إلى حضور الذات الشاعرة في مقابل غياب الآخرين ، وهذا الإحساس الذي وصل إلينا يؤكده الشاعر في قصيدته " النور عندنا من كل حتة " فهو يجعل من الآخر مخاطبا " اخلع نعليك وأحزانك " في مقابل الذات الجمع المتكلمة " قلوبنا " ص13، وتأصيلا لحالة الهدوء ندرت الأساليب الإنشائية والمشتقات مع الركون إلى الزمن الماضي وظل المضارع المستخدميتحرك ويدور داخل الزمن الماضي ، وخاصة في مجموعة تدوم الزيارة ، وتقضية وقت ليعلو صوت الإيقاع في الحاوي الهندي وسلموا عليا وكأني بعيد
جدلية المادي والمعنوي :-
الصراع بين المادي والمعنوي أو المحسوس والمعقول ظل مسيطرا على الأعمال الإبداعية على مختلف فنونها ، وتعاملت مع المحسوس / المادي على إنه المدنس ومع المعنوي/المعقول على إنه المقدس ، وتناولت الذات الشاعرة في الديوان كليهما دون صراع ودون تحديد لطبيعة كل منهما من التقديس والتدنيس بل جمعهما معا في مقدمة الديوان الغير معنونة " إلى مكان يسع القدم والأحلام إلى الأمل ... " فالمكان الذي ينشده يأمل أن يساع القدم / المادي والأحلام – الأمل / المعنوي " لكنه يغلب الجانب المعنوي كأمنيات في قوله " بلاد تتبناه "و يحمل التبني في طياته المادي والمعنوي لكن يحركنا فيه الجانب المعنوي أكثر لأن التبني يحمل عاطفة الأبوة والأمومة معا .
وفي قصيدة "النور عندنا من كل حتة " تبدأ بسؤال يفتش عن كينونة القادم لا نوعية ما يحمل ويتبع السؤال أمر " اخلع نعليك وأحزانك " وهنا تريد الذات الشاعرة تجريد القادم من الحسي والمعنوي على السواء فالنعل بما يحمل من مدنس والأحزان بما تحمل من آلام .
وكما رفضت الذات الشاعرة في النص السابق المادي والمعنوي على السواء نجدها في قصيدة " ريحة الزهور " تستقبلهما معا مرحبة بآثارهما ، فتبدأ بالمعنوي " عطوف – ودود "
" تحسسك إنك بني آدم " فقد ربط الشعور بالإنسانية بهذه المعنويات و" حنينة " ثم ينتقل من الشعور إلى المادي الجميل " صحبة زهور" " لقيت ريحة ياسمين " وربط الذكرى برائحة الياسمين ،وهذاالتضافر بين المعنوي وبين المادي ينم عن تلاحم وتواصل الذات الشاعربنفسها .
وفي قصيدة الغول نجد أن المعنوي والمادي يغيبان عنا بالألفاظ الدالة عليهما مباشرة إلا أن استخدام السرد الشعري باستخدام الراوي العليم / الذات الشاعرة كان عوضا عن الألفاظ المباشرة "وصدره ينتفخ زي بالونة " تنم عن الضيق وأيضا " احتياجك للفضفضة "واستخدم الفضاء المكاني للتعبير عن الحسي "شارع – الحي – بيتك – الصالون – البلكونة " ثم يختتم القصيدة بــ "لازم تعد فناجين القهوة بعد ما يمشي "وهي العبارة التي تتناسب مع عنوان القصيدة الغول الذي يلتهم أي شئ حتى وقت الذات الشاعرة ، وخاصة أن الشخصية المروي عنها لا تضح ملامحها العنفوانية ، حتى عندما خرج منه الغول فهو يؤرخ ويحكي عن ذاته المتضخمة ثم تنتهي الحكاية كلها باكتشاف ضآلتها في هذه النهاية الرائعة للقصيدة .
أما قصيدة غضب فعنوانها ذو دلالة معنوية خالصة ونشعر أن الهدوء المسيطر على الديوان يبدأ في التلاشي بتكرار فعل الأمر افتحوا واستخدام اسم الفاعل فاير والمضارع الذي تحرر من زمن الماضي " كل جسمي ينتفض تعلا دقات قلبي " ثم يختم بحكمة مبررة هذه الثورة التي تعيشها الذات الشاعرة " ما نعرفش تمن أي شئ إلا في النهاية " فتأخذنا الحكمة لحالة من الندم نستنتجها فالمعنوي كما اعتدنا من الذات الشاعرة متناغما مع المادي في تآلف لايشعرنا بسلطة الحكمة علينا .
وفي قصيدة " البعيد عن العين بينور في ألبوم الصور " نلحظ تصرف الذات الشاعرة في المثل الشعبي "البعيد عن العين بعيد عن القلب " هذا التصرف الذي يدل على حالة التأمل التي أشرنا إليها سالفا والتي تفرض على القصائد حالة الهدوء الإيقاعي ، ونلحظ أن الفرق الزمني بين هذا المثل الشعبي وبين عقلية الذات الشاعرة كبير حيث أنها استطاعت أن توظف مفردات واقعها الحداثي في الثورة على المعنى التقليدي للمثل وما يحمل من أفكار ، ونلحظ أيضا كسر حالة الهدوء الإيقاعي باستخدام نفس الآليات السابقة من الفعل المضارع وبعض المشتقات والذات الشاعرة تصدر لنا حالة البهجة " منورين – تبتسملي أحضانهم – أحلامهم " ثم تسيطر عليها حالة الغياب فتجد نفسها شبحا باهتا ، ومن الواضح هذا التناغم بين المعنوي "الفقد – الغياب – الذكرى " مع المحسوسات "الألبوم – الشمس " وتتسلل الحكمة في ثوب الصورة البيانية لتمررها على القارئ بلا سطوة للذات الشاعرة لتظل محض تصور خاص بالشاعر " كأن كل واحد مننا بيسجل حضور التاني "ومثل هذه الومضات تدل على حالة التأمل التي تنتج لنا تصورا عن العالم من خلال عين متأملة راصدة .
وفي قصيدة " جدار قديم " يسرد الشاعر عن موظف الأرشيف والدوسيهات والحبر والقميص ومحاولة النسيان " وارمي ورا ضهري "رغم كل معناته "أعاني من وجع سمانتي " لكنه أيضا يخفي الأحلام فنجد تضافرا واتساقا ملحوظا بين المعنوي المعاناة والأحلام وبين المادي داخل الأرشيف ليدل ذلك على تعاطي الواقع المعاش وتمريره رغم ضياع الأحلام ولكن العالم المادي هو المسيطر " وضهري متشرخ " .
وفي قصيدة " قد ما بحب " فالعنوان يبدأ بلفظة معنوية واضحة " حب " وتطل لفظة " الليل " في مفتتح القصيدة مستدعية متلازمتها " الحلم " " أمسية " ويبدأ الحدث ليحرك الإيقاع مستخدما دلالات الأفعال المضارعة " يجري – بيرتب – يملا – بتهلكني – أطلع – يتكسر – أرقص – يسقفولي .....إلخ " ونلاحظ تناغم المحسوسات مع كل ما هو معنوي فبينما تتم الحركة داخل الحلم وسيطرة حالة الرعب والتفكير والتذكر نجد حالة موازية من المحسوسات تؤصل لهذه الحالة من التفاعل والحركة الانفعالية للذات الشاعرة " يتكسر – أرقص على الإزاز زي حاوي هندي – يناولوني الإزاز أمضغه " ثم يرجع ليؤكد رتابة الفعل من خلال تكرار نفس اللحظة الزمنية " ليل يناولني للتاني "مع فقد الذات الشاعرة للإرادة في التغير فتعاود لتكرار عبارة " ونفتكر الأحبة وقت الحنين – ما نفتكرش الأحبة غير وقت الشدة " فهذه الذات الراوية والتي ملأت حيز القصيدة بالحركة البهلوانية التي يستخدمها الحاوي الهندي تستسلم وتتراوح أفعالها بين إظهار الضعف الإنساني " ارتعش
" ولد تايه في السوق
" عطن السنين على القلب روماتيزم
فيأخذ موقفا متوازنا مما حوله " بقيت أكره قد ما بحب ..." ويعلن هزيمته المأساوية
الحاوي يشلب دم – قلبي بينزف – الولد تعبان من النهجان " ويلقي علينا في هذه اللحظة مجموعة من التأملات التقريرية ليعلن بها كيف ترى عينه العالم " قانون السوق الكف والقفا – الطبيعة بنت الغيطان – والسحر روح الصحرا – أما المدن بلياتشو
وليلها بيخبي اللي بيشوفه " وهنا يحاول الاشتباك مع مفردات سابقة تسللت لنا عبر القصيدة مثل " السوق – الساحر – الليل " فيوجد علاقة بين ما أنتجه لنا من رؤية مع انفعالاته ، لكن تم الزج ببعض الجمل التقريرية دون تفاعل ولا اشتباك لا مع المفردات ولا مع مدلولاتها فظلت هذه الجمل غريبة لا تساهم في حركة الإيقاع الشعري بقدر ما كانت ثقلا على المنتج الدلالي وساهمت في تقريرية العبارات " الطبيعة بنت الغيطان – أما المدن بلياتشو "
وعلينا ملاحظة العنونة الداخلية لكل مجموعة من القصائد وكيف يتم تفعيل حركة الإيقاع بشكل تصاعدي متناسبا مع الحالة التي يطرحها كل عنوان
فيبدأ من العنوان سلموا عليا وكأني بعيد ،لزيادة الحركة الإيقاعية ويبدأ في قصيدة " مقام الشنط " فيعتمد على تكنيك قد مارسه في بعض القصائد الأولى من الديوان وهو التنوع بين الخبر والإنشاء فيبدأ القصيدة بسؤال " ممكن أشيل الشنط عنك –" وكذلك تكرار الفعل الأمر في القصيدة " سيبني أشيل معاك - سيبها مكانها - سيب الأحمال – ياللانمشي " إضافة إلى استخدام الفعل المضارع الذي يعطي حيوية للحركة الإيقاعية ، ومن خلال ذلك يطرح لنا رؤيته حول تمحور الذات في الذكريات والأحلام ودعوة من الذات الشاعرة عبر حوارها للآخر للتخلي عنهما فالذكريات تجعلك تعيش زيفا والأحلام " تطير عصافير الشجر " ثم يدعوه لأن يكون كما هو مجردا عن أي أحمال ثم يضع له منهجا ويفرضه عليه وكأنه هو المثال " أسلوبي إنك تعيش ، زي مارد زي قزم واللا قرد عيش..." ،" سيب الأحمال وتعال كمل ياللا نمشي ، مع ملاحظة تكرار مادة " سيب " سيبها مكانها – سيب الأحمال " مسبوقة بالفعل تخلع " بس تخلع أي حاجة مش بتاعتك " وكأنها دعوة للاتساق مع الذات بعيوبها ونواقصها متخلية عن الذكريات والأحلام التي تعرقل الاستمتاع بوجودنا الحي ، مع ترك كل الأحمال بما تحوي " الشنط بقت كتير ، مش ها ينفع أخفف عنك ، سيبها مكانها ، ده مكانها ومقامها الانتظار " فالشنط بما تحوي من أشياء فهي تعطي دلالة بالسفر والانتقال والترحال مثلها مثل الهموم والأحمال المضنية ، لذلك علينا التخلص منها لأنها تنتظر في المحطات ونحن - المسافرين -
نغير محطاتنا ولأن الشنط تابع يمكن التخلص منه فيجب عندما تزيد الأحمال والهموم أن نتركها في أي محطة لأن الإنسان غير مرهون بالانتظار ، وهذه الرؤية وحالة التأمل التي تسيطر على الشاعر إنما هي السمة الأصيلة في الديوان والتي تجعله أحيانا يرسل لنا جملا تقريرية حاسمة " ده مكانها ومقامها الانتظار " .
وفي قصيدة " شعار المرحلة " يحا ول الشاعر اللعب على المتناقضات مثل " تكشف المتخبي " ، في خلفية دخان المسدس شايف الأشباح "فهذا هو عالم السلاح لا ينتج عنه سوى أشباح غير محددة الملامح تحمل الفزع والخوف ، وذلك على التناقض من الجملة التالية لها " وسوبر مان خلفية شاشة الكمبيوتر " وسوبر مان البلطل المخلص يظهر كخلفية للعلم والتكنولوجيا فنجد أنفسنا بين تناقضين أساسيين : عالم السلاح والقوة ، وعالم العلم والكمبيوتر " وأملك قيراط في جنة العصابات " نلاحظ التناقض بين كلمة جنة وعصابات
" بجري كأني قاعد " " بسامح الأعداء ومش عارف أسامح الأصدقاء " فهذه المفارقات والمتناقضات التي عمد إليها الشاعر ليوضح أن العالم مبني على هذا التناقض وأن هذا التناقض غير محسوب ونتائجه بالتالي غير محسوبة .
وفي قصيدة " أنا جيت " يستخدم نفس التكنيك واللعب على التضاد " شفت نفسي كده ومحدش شفني " يحببك فيا ويكرهك في الغير " ، ونلاحظ أن اشتباك الذات الشاعرة مع العالم " الغير " تدعوه للتعجب من وجوده الذي يحاول إثباته مجددا " عشان أثبت وجودي من جديد " معتمدا في إبراز حالة التعجب على استدعاء شخصية يتوجه إليها متعجبا " شفت الكلام يا عبد السلام ! " وتكرار الجملة مع استخدام جمل تعجبية المغزى عن طريق استخدام الجمل الاسمية " نجمة جه عليها الفجر وما نورتش لحد ! بنت انقطع عنها الحيض !"
وكأن الشاعر في نهاية المطاف قرر أن العالم يحتاج الاشتباك مع الآخر وعدم العزلة " بقيت باخرج من مداري وأمشي هنا جنب الناس وكأني منهم ...مدوا الأيادي "
الاشتباك مع الحدث العام :-
ويبدأ الشاعر الاستباك مع الحدث العام بداية من عنوان " الزرافة تحت رق " وفي قصيدته " الزرافة المحترقة " ونجد رؤية الشاعر الاستشرافية كمراقب للحدث العام هي التي تطل علينا رغم محاولته فتح مساحة للرؤية أوسع بوصف حال الزرافة لكن الجمل الاستشرافية والتي تتناغم مع أحداث اللحظة المعاشة الآن تستحوذ على المساحة الأكبر " بداية عصر الاشتعال
تنطر شظايا على البيوت والناس
يضرب الحراس تعظيم سلام
صاحب الهيلمان باليمين يحمي نفسه بالشمسية
وفي الشمال الصولجان
يتفقد نجاح العشوائية "
ثم يعمد للسخرية من هذا الواقع ورفضه
" يا فرحة أمننا الغذائي في أمننا القومي !
وفي قصيدة " الزرافة منورة "
وهنا يحلل الحدث العام وزيارة أوباما لمصر فتتجه القاهرة للزينة والبهرجة فرحة بالقادم مع تضفير ذلك بالسخرية أيضا " شفت العرايس وهيا راجعة من عند الحفافة ؟
آدي القاهرة بقت منورة من غير أهلها
ونلحظ الاستفهام الذي يحمل التعجب والدهشة ، ثم تذييل الجملة الثانية بعبارة " من غير أهلها " ثم يعمد لتوصيف حالة الحركة السريعة والاستعدادات بجملتين استفهاميتين
" شفت مين رايح
شفت مين جاي "
ثم توصيف مبررات الاحتفال " ملامحه إفريقية
الشيخ عبدالله مينو "وتصدير الجملة الثانية بلفظة الشيخ ، ثم استدعاء مينو بلقب عبدالله يتم استدعاء التاريخ بمثالب نتائجه ، واستدعاء الوجه الاستعماري للقادم عن طريق هذا الاستدعاء التاريخي ثم يستخدم السخرية " لابس الجلابية وح يقيم الصلاة والنبي ده عسل
يا بخت الأمريكان ويا صلاة الزين "
الباحث: خالد محمد الصاوي
ديوان سلموا عليا وكأني بعيد
للشاعر صالح الغازي
صدر عن دار العين للنشر بالقاهرة2012


نشرت في صحيفة البداية
31مارس 2013
على الرابط




مشاركة مميزة

بروفايل صالح الغازي

       الشاعر والروائي صالح الغازي  صالح الغازي - روائي وشاعر صدر له 14 كتاب - عضو اتحاد كتاب مصر. - عضو أتيليه القاهرة للكتاب والفنانين. - ...