مقاربة نقدية لمشهد العامية المصرية
![]() |
حتى لا نقع في التحيز وسوء الاتصال ونقص الفعالية والأحادية وعدم التركيز والعشوائية في التفكير، نجد طريقة عملية مرنة تجمع أنماط التفكير في قبعات ست للاستفادة منها مجتمعة: «القبعة البيضاء» تمثل التفكير الرقمي الحيادي وتسعى للتفتيش لجمع البيانات والحقائق. أما «القبعة السوداء»، فهي للتفكير الحذر وتكشف مصدر المشاكل وتتميز بالترتيب المنطقي السلبي ولا تقدم حلا إنما تحذر بالنتائج. أما «القبعة الحمراء»، فتمثل التفكير العاطفي وتهتم بالحدس والشعور. و«القبعة الخضراء»، فهي للتفكير الإبداعي الخلاق وتكون أفكارها قابلة للتغيير والتعديل بمرونة وتغطي الخلل الذي كشفته القبعة السوداء، وتفكيرها خارج الصندوق. أما «القبعة الصفراء» ففكرها إيجابي منطقي وتركز على القيمة أو الفائدة وتقدم اسبابا ومبررات لكل مقترح لتكون ظاهرة يمكن تنفيذها. وأخيرا «القبعة الزرقاء» وهي للتفكير التنظيمي، الذي يمكنه الضبط والتحكم، وتربط كل المجموعة وتفكيرها وتتوجه للمسار الصحيح وتنسق مع أعضاء المجموعة وتضع خطط التنفيذ. طريقة القبعات لاقت القبول لتقريبها أنماط التفكير بطريقة عملية، فالقبعة مرتبطة بالرأس مكان التفكير وتبديل القبعة يساوي تبديل التفكير، وربط التفكير برمز ولون جعل الأمر فيه حيوية، وإعطاء اسم لكل نمط سهل استدعاء طريقة التفكير الخاصة به فورا. وأرى تطبيق القبعات الست على ثلاث مراحل كالتالي: الأولى: تنفذ حسب قدرات مسؤول المشروع بأن يتقمص لدقائق كل قبعة، وطبعا يبدأ بالبيضاء وينتهي بالزرقاء ليكون له تصوره المبدئي، وقد يلجأ لموظفين أو شركاء لاستكمال البيانات أو لمعرفة أفكار ناقدة. والمرحلة الثانية: أن يصنف متخذ القرار موظفيه على أساس مهاراتهم وقدراتهم ثم يجلس في مكتبه ويستدعيهم بالترتيب، ويكون هو صاحب القبعة الزرقاء، وقد يصل هنا لشكل جيد لكنه جاف. أما المرحلة الثالثة: أن تكون مجموعة العمل كلها في نقاش وتكون لكل واحد قبعته لمدة دقائق وقد يرى قائد المجموعة تغيير القبعات حسب قدرات الموظف ليحقق استفادة أكبر. مبتكر «طريقة القبعات الست» هو العالم الطبيب إدوارد دي بونو الذي ربط بين معلوماته الطبية عن المخ في تحليل أنماط التفكير وألهمته لهذه الطريقة مقارنته بين طريقة تفكير الغرب التي تعتمد على الجدل والحوار والمناقشة، وطريقة تفكير الشرق، خصوصا اليابانيين، التي تعتمد على التفكير المتوازي والتشارك بالرأي باستخدام عدة أنماط متوازية في التفكير، للوصول إلى نتائج وقرارات سريعة وفعالة. منذ درست طريقة القبعات الست وقد شهدت نجاحها في العديد من المشروعات وفي مجالات متعددة، حتى أثناء الكتابة، وتناول الموضوعات إعلاميا أو صحافيا، فهي مفيدة وتحقق الموضوعية والمصداقية.
للمزيد: https://alqabas.com/article/5725482 #من_شباك_الباص مقال صالح الغازي في صحيفة القبستوقف العالم كله لمتابعة الصراع التقليدي بين الفيل والحمار، حتى إنه شغلنا عن الانتخابات المحلية، قد يكون لكل واحد منا وجهة نظر، وقد يكون لكل كيان مصلحة مع أحدهما، لكن غير التقليدي فعلا هو دونالد جون ترامب، الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة الأميركية منذ 20 يناير 2017 مرشح الحزب الجمهوري، رجل الأعمال الأميركي ورئيس منظمة ترامب، الطول: 1.9 م، أما ثروته بحسب الفوربس فهي 2.5 مليار دولار أميركي. له أوصاف وألقاب كثيرة وتحليلات متعددة، ويترك انطباعا واضحا في كل موقف تشاهده فيه أو تعرفه عنه، منذ أن بدأ حكمه في البيت الأبيض وظهر أن لا مشكلة عنده في هدم الثوابت فلا يتوقف عند بروتوكول أو تقديس علاقة انما معايير المصلحة والربح، عرف أنه رجل التصفيات ورجل الصفقات وغيرها من المصطلحات التي رسمت بها شخصيته، انه صاحب القرارات الصادمة للمهاجرين واللاجئين الذين كانوا يعتبرون الولايات المتحدة قبلتهم، كما أنه هدد أو خرج من العديد من الاتفاقيات والمنظمات الدولية دون اعتبارات هل لها تأثيرات انسانية، مثلا مواقفه مع منظمة الصحة واليونيسكو واتفاقية باريس للمناخ وميثاق الأمم المتحدة للهجرة ومجلس حقوق الإنسان والأونروا.. نراه يهاجم بعنف وبقوة ويعرف كيف يأتي الموضوع من آخره ليصل للنهاية من الكلمة الاولى، يهدد بعنف وقوة وهو على يقين بالانتصار وإذا تم الاتفاق والموافقة على هدفه نجده يحب بقوة ويظهر بكل الأشكال المساندة والتقدير، لذلك يستغربه البعض فأطلقوا عليه رجل التحولات المفاجئة. أعاد ترسيم شكل العلاقات الدولية مع الولايات المتحدة، لاحظ العلاقة تغيرت مع الصين وإيران والشرق الأوسط بكامله..
ما الحال إذا كانت الشركة تدار بواسطة العملاء فتكون باستمرار طوع أمرهم؟ شركات الخدمات بالتحديد أو توصيل الطلبات تعتمد على ما يطلبه العميل، لكن حتما يتم ذلك وفق قواعد وأسس مهنية. لكن هناك فئة من الموظفين يتعاملون بغض النظر عن نوعية الشركة وأهدافها، يستمدون وجودهم من إطراء العملاء، وباستمرار ينفذون طلبهم، انها وسيلة للحفاظ على وظائفهم، ومن الموظفين فئة شائعة تسعى الى الاستفادة من العميل سواء بالمصالح المشتركة، فيوجه الموظف العميل بكيفية ابتزاز المؤسسة لتحقيق أقصى استفادة له مقابل مكافأته التي يلمح لها بكل الأشكال ولديه القدرة والأساليب على الظفر بها من العميل. مثلا تجده يقول ان كل ما يطلبه العميل هو أمر واجب التنفيذ ووارد مناقشته، وايضا يقول: انه يحاول التيسير على الناس وقضاء حوائجهم.. بينما في الحقيقة ينتقي من يساعدهم ويطبق عليهم هذه المقولات والأفكار! وحتماً يكون ذلك بالتحايل، أي على حساب الشركة، إنه نموذج لذلك الموظف الخفيف الذي يرضي الجميع باللطف! لكن هناك من لم يغلبهم العميل وأداروا العمل ليحققوا أهداف الشركة، أو الأهداف المهنية ولم يديرهم العملاء، انما هم الذين أداروهم ضمن أصول العمل، ووفق جهد منظم بلا مبالغة أو انجاز وهمي ولا يعملون بصوت عال أو إثبات، انما يعملون باقتناع لأهمية دورهم ومراعاة المرونة في العمل، خاصة في القطاع الخدمي أو في تحسين النظم. ويظهر انجازهم بشكل واضح للعيان، ويكون هنا تقديرهم من المؤسسة التي يعملون بها وأيضا من العملاء المتميزين. ليكون هناك فريقان أحدهما يرضي جميع الأطراف من دون تحقيق هدف وهو لطيف ومحبوب وخفيف، وآخر يتميز بالمهنية والمرونة والعملية ويحقق الهدف ويتجاوب مع الرؤية الاستراتيجية. أما العملاء أو طالبو الخدمة أو الفئة المستهدفة فإن كل الشركات تسعى الى وجود قاعدة من العملاء المفضلين أو المفيدين لدى الشركة لتكون أساس نجاحها واستمرارها، لكن يختلف تعريف العميل المفيد، ويجب التمييز أو التفريق هل هو عميل أصلا أم أنه عميل وهمي؟ العملاء قد يكون بينهم المتنمر! نعم مثلا في مناطق معينة قد تجد محترفي التنمر سواء لسوء خلق أو لطبيعة فيهم، وقد تجد من يتحسس الأمور أو من يريد أن تقدم له خدمة على مزاجه، أو من لديه شكل يريد تنفيذه كأنه يفصل حذاء على مقاس قدمه! نعم هناك شرط تحقق الجودة في العميل، أي يجب أن تكون هناك معايير لاختياره، فهناك عميل غير مستهدف وعميل غير مفيد وعميل مزعج، بينما هناك عميل مزعج لكنه مفيد جدا! كيف تدار هذه الفئات من العملاء.. سوى بمهنية ونظم واضحة؟
___
قراءة
في "المتوحش إللي جوايا" لــ"صالح
الغازي"
تَلْفِيظ
الذات
د.
محمود العشيري (*)
يكتب
صالح الغازي(**)
في مجمل ديوانه النثري(***) سيرة للأنا؛ هذه الأنا
الأخرى "إللي جوايا" أو هذه الأنا عند لحظة من لحظات وعي الشاعر بها؛
سواءً عند لحظات متعددة من تاريخها وتطوراتها أو عن صورها المتعددة عند تلك
اللحظات، كما في القسم الأول من الديوان الذي أخذ عنوان "المتوحش إللي
جوايا"، أو يكتب عن الأنا في علاقتها بالآخرين، كاشفًا جانبًا مهمًّا من
الظلمة التي في سلوك الآخرين ونفوسهم كما في القسم الثاني "كشاف الضَّلْمَة"،
أو عن الأنا في مواجهة الآخرين كما في
القسم الثالث، الذي يأتي بمثابة مواجهة مع هذا الآخر الذي تناوله في القسم الثاني،
وهذا عبر نماذج تأتي جُلُّها من تجربة السَّفَر والغربة، التي هي جانب مهم من
تجربة هذا الديوان. ثم يأخذنا الجزء الأخير من الديوان عبر تجربة الذات القارئة
للتاريخ والآخرين عبر المكان ونصوصه، حول مدينته؛ مدينة "المَحَلَّة
الكُبْرى".
تنظر
هذه المقاربة بعين الاعتبار إلى صدور هذا النمط من الكتابة عن شغفٍ بأن تكون
الذات حرّةً وعفويةً ومستقلةً دون عوائق، محددة ذاتها بنفسها، دون أُطُرٍ أو
مقاييس معينة. ويكشف الديوان في عنوانه، فضلا عن مجمل نصوصه، وعلى الخصوص قسمه
الأول عن تَوَجُّه يرغب في تحديد الذات انطلاقًا من الذات نفسها، وإنتاج الواقع
عَبْرَها؛ بمعنى الرغبة في إنتاجٍ واقعٍ، هو واقعٌ مُوَجَّه مِنْ قِبَلِ الأنا،
أو كما يُقال: "لا تتركْ أيَّ أحدٍ يقول لكَ مَنْ أنتَ. إنَّك ذاك الذي هو
أنتَ"! وهذا الواقع هو الذي تتعرف فيه الذاتُ على نفسِها.
ومن ثَمَّ
نحن إزاء عمل تُقَدِّم فيه الذات نفسَها، أو جانبًا منها في كلمات منخرطةً في
فعلٍ مُوَسّعٍ من تَلْفِيظ الذات، بوصفه آلية تجعل الذات ظاهرةً أمام أخرى. وكأنها
لكي تقول نفسها عليها أن تنخرط في فعلٍ مُوَسَّع يشمل الأنا والآخرين والذات
المنقسمة على وعيها، لكنها تصبح في الحقيقة (ما هي عليه) بفضل هذا القول، الذي هو
هنا (مجموع هذه النصوص)(1).
في
إطار هذا الواقع المُعَرَّف من قِبَلِ الذات ترسم الذات حدودَها. وهنا يأتي
الديوان بعنوانه "المتوحش إللي جوايا" في مبادرة للذات لبيان
معالمها وترسيم حدودها ونعتها بما تراه، وإعادة تعريفها لهذا النعت أيضًا، ومنه
دلالة "التوحش" في العنوان، وما قدر يتبادر إلى ذهن البعض أولًا من
الـمُتَوَحِّش هو أن يصبح
الشخص كالوحش طبعًا وتَصَرُّفًا، بما يعني القاسي، العنيف، المتحجِّر... غير
أنه في الحقيقة هناك دلالة أخرى حاضرة في جذر هذه الكلمة وهو "غياب
الإنسي/الإنسان"؛ فالمتوحش: ما لا يُستأنسُ، والاستئناس من الأٌنْس، الذي
هو من جذر "الإنسان والإنسيّ" أيضًا؛ فَتَوَحُّشُ المكانِ ذهابُ الناس
عنه، وخُلُوُّه منهم، واستوحش الشَّخصُ:
وجد الوَحْشَة أو شعر بها، وعكسه اِسْتَأنَسَ.
وهذا
المصدر "وَحْشٌ" يستخدم بمعنى الوحدة والانفراد، يقالُ:
"مشَى في الأرض وَحْشًا" أي وَحْدَه. والمكان المُوحِش هو
القَفْرُ الذي لا أُنسَ فيه. والوَحْشَة هي "خوفٌ من الخَلْوَة"،
وهي "اِنْقِطاعٌ وَبُعْدٌ للقُلوب عن الـمَوَدَّات". وربما هذا المعنى
ليس ببعيد عن الديوان، غير أن المفهوم الحاضر بقوة هو "العَصِيّ على
الترويض والاستئناس"، إلى جانب مفهوم "المشاغبة" لكن بروح
إيجابية إجمالًا، فهو أقرب إلى "الأراجوز"، يقول النص التقديمي:
"أتكلم دقيقة/ ويتكلم عشرة/ أعمل شِوَيَّه/ وهو يعمل الشِّويتين"
وهذه
الصورة التي يقدمها النص لا تنفصل عن هذه الروح التي تسود في بعض مسارح خيال الظل،
كتلك التي بين "كراكوز وعيواظ"، القائمة على التفاعل المتناقض بين
شخصيتين رئيسيتين؛ "كراكوز" الشخصية الأميّة الصريحة دائمًا،
و"عيواظ" الشخصية المثقفة العالمة بالشعر والأدب. ويأتي الديوان
كله في ظل هذه المناوشة بين أفقين للذات، الذات وهي تعيد قراءة ذاتها، أو لها وهي
وهي تعيد بناءها لوعيها وترسيمها لحدوده وطبيعته وما حولها من أشخاص وأشياء ووقائع.
ونظل على طول هذا القسم الأول من الديوان نسمع صوت هذه الأنا الأخرى/الناضجة
المثقفة/ صوت "عيواظ" وهي تعيد تشكيل وعي الأنا "الأميَّة"
الصريحة، الصادقة أيضًا:
" أول ما أغمض/ يعيد عليا المواقف/ يفاجئني بأسئلة بايخة/ زي
اللي بيسألها زملاتي في الشغل/ ممكن أحرجهم لكن ده/ أعمل معاه إيه؟/ و لما أجاوبه/
يمسك عصايته/ ويزعقلي/(غلط)". (ص13، 14)
وهذه العلاقة نفسها يعاد تشكيلها عبر أُطُر
مختلفة:
(أ)- عبر إطار موقف معاش ورؤية هي رؤية العين،
لكنه في الوقت ذاته واقعٌ في قلب الوحي، في مشهد مشدودة خيوطه إلى وقائع تلقي
النبي (ص) لأول الوحي. يقول في قصيدة "أيام الهرب": "وأنا صغير/ طاردني
بوشوشاته/أستخبى ورا ضهر أمي/ وأشاور علي مجهول/تبصلي كأنها بتقرا عينيا/ تاخدني
في حضنها/ لحد ما أنام..." (ص15)، فالوحي الذي كان يأتي النبي بأشكال منها كأن له صلصلة الجرس أو يتمثل
له الـمَلَكُ رجلًا يكلمه (ص)، يطارده هنا "بوشوشاته" ويتمثل أمامه
بَشَرًا، "أشاور على مجهول"، وتؤدي الأم وظيفة الاحتواء التي أدتها
السيدة خديجة في الموروث الإسلامي.
(ب)- وقد تأتي عبر إطار رؤيةٍ قد تكون مناميَّة "زي الإبرة ما تخرم ودان البنات/ دخل منامي/ فتح الحلم على الواقع..." (ص17)، أو عبر تقاليد النوع يالأدبي المتمثل في زيارة
الطيف والخيال، كما في نص "المفروض": "الليل كسول/ سايبني لكائن حشري/ يأنب فيا:/ يصورلي ما في خيالهم/
ويلومني.../"
(ص25).
وغالبًا ما كانت ملحوظات هذه الأنا في إطار المؤاخذات، بما يدفع إلى تعَقّد
العلاقات بعيدًا عن البراءة والبساطة، ربما على طريق النضح، وكان هذا بدءًا من
تكرار الأسئلة المحرجة التي يطرحها عادة زملاء العمل، المُوجبة لإحراجهم (ص13)، مرورًا باللوم؛ "لما حصل كذا/ المفروض تزعل/ ولما كذا ...تغضب/ وليه لما كذا
ما اتعجبتش؟" (ص25، 26)،
وانتهاء بالتفكير، "..ينصب لي ميزان
العقل/ لحد ما أفكر/ ويسيبني غرقان مع التفاصيل" (ص28).
(ج)- وتتمثل هذه العلاقة مرة ثالثة في إطار
درامي سينمائي ذي طابع فانتازي، كما في نص "كبرت شويه": "عارضته/ لحد ما تعبنا من بعض/ ووقفت فوق الترابيزة/ واجهته قال إيه بمنتهى الشجاعة!/ فبقيت أعوم وراه/ وأرجع قبل ما يصفر المنقذ/ وأسوق بتهور/ وأنا لابس حزام الأمان/ آخرتها إيه وياك؟". (ص19، 20)
ولا يغيب عن المشهد بُعْدُه الدرامي في الحوار
بين الأنا والأخرى والمواجهة وسياقها الطفولي أو الفانتازي، الذي ينقلنا أيضًا إلى
مشاهد أخرى مختلفة زمنيًّا ومكانيًّا عبر استعارتين؛ استعارة "السباحة"
حتى حدود الخطر، واستعارة "القيادة" بتهور، وفي كلتا الحالتين ثمة ما هو
ضابط ومؤطر لحدود المخاطرة؛ القيادة بتهور وهو "لابس حزام الأمان"، أو
الرجوع "قبل ما يصفر المنقذ".
(د)- وقد
تتمثل العلاقة أيضًا عبر بُعْدٍ صوفيّ تقف فيه الأنا من الأخرى موقف العارف،
يستلهم فيه النص مخاطبات النِّفَّري، في مقابسة تدفع في طريق (الطاعة) و(القُرْب)
و(التلقي عنْ)... يقول في نص "بقى ده كلام": "قال لي:/ (همساتي سرية/ يسمعها المرهف بس)/ وهو قادر يهيأني/
أسمع بكل حواسي/ فيقول لي:/ (ح تلبس إيه بكره؟/ بنطلون والا قميص؟/ أي لون؟/ تي شيرت
واللا جينز؟)/ قادر في لحظة ياخدني سابع سما/ وينزلني على جدور رقابتي".
(ص23، 24)
وكما
أخذت مراجعة الأنا للأخرى في مواضع طابع التأنيب: "لكنه بقى مكشر في وشي" (ص17)، أو اللوم: "وليه لما حصل كذا ما اتعجبتش" (ص26)، أو "ولما أجاوبه/ يمسك عصايته/ ويزعقلي/ (غلط)"
(ص14)، أو طابع التوجيه: "لما حصل كذا/
المفروض تزعل..." (ص25)-
كما أخذت كل هذا في نصوص أخرى تأخذ هنا طابع الاصطفاء والوَجْد، والمعرفة الباطنية
عبر الهمسات السرية ورهافة حِسّ السالك
وعمل حواسّه، والأنا هنا أيضًا، في هذا السياق،على معرفة وحكمة أقرب إلى معرفة
الخِضْر حيث الولاية والغيب وسعة العلم: "قادر في لحظة ياخدني سابع سما/ وينزلني
على جدور رقابتي".
وكما تنوعت
هذه العلاقة من حيث المظهر وسياق التشكيل، وطبيعتها أيضًا امتدت كذلك عبر إطار
زمني مرحلي واسعٍ ممتدٍ من الطفولة في نص "أيام الهرب" والمطاردة
بالوشوشات والاختباء خلف الأم، إلى المراهقة و"فتح الحلم على الواقع وتأنيب
المحيطين والوقوف فوق الطرابيزة ونص
"كبرت شويه"، إلى الشباب والفتوة حيث "السباحة والقيادة بتهور و
"حَتِلْبِس إيه بكرة؟" والتمثيل في المسرح ونص "ذنبي إيه"،
إلى النضج، حيث المعرفة والإبداع، كما في نص "ونعم الاختيار": "ساعدني/ في غربتي أنتمي لإبداعي/ واختار قمر يكلمني/ وأدافع عن
لهجة/ خطفها التكرار/ وحبسها الايقاع/ وأخاطب ناس/ مستسلمين/ تبص بعيون فاضيه/ وما
تعلقش/ ولا حتى تدوس لايك". (ص31،
32)، "بسببه ميزت/ اللي
هجر الشعر/ وضلل الناس/ برنة القافية/ وجلال المجاز.."
(ص33).
وعلى
الرغم من تنوع هذه العلاقة بين الذات والأخرى القارئة لها من حيث المظهر وسياق التشكيل،
إلا أنها في النهاية تفشل في مَوْقَعة هذه الأنا الأخرى: "الكائن ده/ فين مكانه جوايا؟/ حاسس اني ح أموت/ وح يفضل هو"
(ص27).
وهكذا
لا تقدم الذات نفسها بوصفها ذاتًا مُؤسِّسَةً، بل ذاتًا لها تاريخ. بما يكشف
حدودنا الضيقة لطرقنا التقليدية لوصف الذات، وقد حاول
الديوان في القسم الأول تحديد الأنا تحديدًا ذاتيًّا، وعلى نحوٍ عَفْويٍّ، وفي
أقسامه الثلاثة الباقية تتحدد هذه الأنا
عبر إنتاج ما حولها من واقعٍ. ويَتَمَظْهر إنتاج هذه الأنا للواقع حولها من خلال
نمطين متداخلين:
(أ)-
نمطٍ نَشِيْطٍ مُنْتِجٍ ومُقْتَرِحٍ
(ب)- نمطٍ مُسْتَهْلِكٍ؛ يعيش إنتاجه للواقع من
خلال اِسْتِهْلاكِه له؛ فهو يقرر بِذاته ما يَسْتَهْلِكُه من هذا الواقع
المُنْتَج، وهو مجذوب عادةً على نحوٍ اختياري للمشاركة في هذا الواقع.
ويتعايش
هذان الوجهان لِتَمَظْهُرِ الأنا معًا؛ إذ ينتمي وجها هذه الأنا لبعضهما، ويُعاشا
على نحوٍ واعٍ من جانب الذات، وتظهر كلٌّ منهما، أو يَظهران معًا في إطارات
ومضامين مختلفة. (انظر: راينـر فونك. ص78، 79).
فتتحدد
الذات على سبيل المثال خلال القسم الثاني من خلال مايقدمه من صور لبعض هؤلاء
الآخرين، ونماذجَ مُحيطةٍ؛ فنرى "المسيطر" الذي يتعدى حدود مقعده في الطائرة
ويجور على حَيِّـز مُجاوِره، ويستحوذ صوتيًّا على فضاء الطائرة عبر مشاجرات تافهة.
ونرى المخاتلين باسم الدِّين وادِّعاء الطيبة والبساطة في نص "أسلوب عم
محروس"، أو "الرَّغّايين" مُدْمِني اللَّغو في نص "بالع
راديو"، أو الـمُحْبَطِين الـمُحْبِطين، الذين يَحُطُّون من كل ما هو إيجابي
في محيطهم. أو الشعراء المُتحجِّرين في نص "الفخيم" رافضي المختلف،
الذين يرون كلَّ آخرٍ مُزَيَّفًا، أو يَرَوْنَ في أنفسِهم وفيما يكتبون نوعًا من
الخُلود. كذلك تقديم صورة مكذوبة عن الذات في نص "ماركة أنا لذيذ"، حيث
تكتسب الذات قيمَتَها من سعيها المحموم لمطابقة صورةٍ عند الآخرين، هي غيرِ
أصيلةٍ، فتعيش الذات فتعيش الذاتُ أصالَتَها على نحوٍ مُزَيَّف، "تشترى أغلى العطور/ عشان تداري ريحة الخوف/ اللي ماليه قلبك"
(ص52، 53) هذا
الزِّيف الذي يعالجة أيضًا نص "علبة الرموش"، وهكذا إلى نهاية القسم
مرورًا بنصّه "كشاف النور"، الذي يحمل القسم دلالةً نقيضًا معه
"كشاف الضلمة": "فيه حد هنا!/
لو حد حي ينادي/ يعمل أي صوت/ طب يشاور/ يتحرك أي حركة!/ طب فيه حد حي؟..."
(ص69). صورة مشهدية لمحاولة إنقاذ أحياء
من تحت الأنقاض، وكومةٌق من الأسئلة والنداءات والتوسلات حيث لا أحد؛ فكل مَنْ
سَبَق في نصوص الديوان في هذا القسم هم موتى لأنهم ببساطة لا يعيشون الحياة على
نحو "صادق"، لا يعيشونها على نحوٍ "حقيقي"، "أنا مليت الأوضه أسئلة/ وعلامات استفهام/ وعلامات تعجب/ يعنى
مافيش حد سامع؟/ ومعقول الضوء متسلط/ ومش لاقي حتى/ عين واحده بتلمع؟" (ص70)؛
فكشاف النور لم يكشف عن شيء، لم يكشف إلا عن الظُّلْمَة التي يحملها عنوان القسم.
وهكذا
تُعَيِّنُ الذات نفسها في الديوان من خلال ملفوظها بوصفها "أنا"، ضمير
المتكلم الذي يلازم القول، مُعَيِّنَةً ذاتها عبر كل تَلَفُّظٍ إزاء الآخر،
وجاعلةً التلفظ حدثًا يجري في العالم، حدثًا يقع في الزمان والمكان، حاضرًا في
مجال التداول.
(*) أستاذ مساعد بكلية دار العلوم، جامعة الفيوم.
(**) صالح الغازي: عضو اتحاد كتاب مصر، له بالعامية المصرية دواوين: "نازل طالع زى عصاية كمنجة" 1997م، "الروح الطيبة" 2008م، "سلموا عليا وكأنى بعيد" 2011م، "شايف يعني مش خايف" 2017م، وله في القصة القصيرة :
"تلبس الجينز" 2008م، "الرقة....البنات فقط" 2012م، 2014م.
(***) المتوحش إللي جوايا، صالح الغازي، دار العين
للنشر، القاهرة، مصر، ط1، 2019.
ولدواعي النشر أعدنا كتابة
سطور النصوص متتابعة على السطر نفسه مع الفصل بينها بشرطة مائلة.
(1) حتى لو كان هذا الواقع عبارةً عن انغماسٍ في واقعٍ
خاص، تَدْلُفُ إليه الذات عبر ضغطة زِرِّ مُشَغِّل التلفاز؛ حيث تنتج ضغطة الذر
واقعًا مغايرًا تمامًا لواقع الغرفة، وهو واقعٌ خاصٌ محيطٌ بقرارٍ ذاتيٍّ، تنتجه
الذات وتديره على نحوٍ ما، وبإمكانها أن تعيشه بأصالة، حتى لو مرّت من برنامج إلى
آخر ومن قناة إلى أخرى. وهو في عُرْفه واقع جديد ومغايرٌ وأفضل. (راينر فونك:
الأنا والنحن؛التحليل النفسي لإنسان ما بعد الحداثة. ترجمة: حميد لشهب. جداول
للنشر والترجمة والتوزيع، بيروت، لبنان، ط1، 2016. ص71، 72).
-------------------
الشاعر والروائي صالح الغازي صالح الغازي - روائي وشاعر صدر له 14 كتاب - عضو اتحاد كتاب مصر. - عضو أتيليه القاهرة للكتاب والفنانين. - ...