صالح الغازي يكتب :الجيل الذهبي لتلاوة القرآن الكريم في مصر

 *صالح الغازي يكتب :الجيل الذهبي لتلاوة القرآن الكريم في مصر 

حين أتذكر الجيل الذهبي للمقرئين المصريين يشمل ذلك رموزا استحقوا مكانتهم بجهد وموهبة وعلم، فٱلقُرآنَ ٱلكَرِيمَ، هو كتاب الله المعجزة، الذي حفظ اللغة العربية ويُقرأ بعدّة أساليب وطرق وله رواه معروفون.

أتناول بعض الأصوات التي عرفت بتأثيرها وانطباعي عنهم وبعضا من سماتهم وسيرتهم، تحديدا ممن ولدوا بين 1878 - 1936، وامتد تأثيرهم لجميع العالم الإسلامي وجاب أغلبهم أنحاء العالم ولاقوا التكريم الذي يليق بمكانتهم وتم الاحتفاء بهم.


يَذكر نوابغ التلاوة وفنون الصوت في بداية القرن الماضي أن المعلم الأول هو الشيخ علي محمود ورغم أن للإنشاد الديني حديثا آخر، لكنه كان رائدا للإنشاد والتلاوة معا ولأنه ظهر مع بداية التسجيل الصوتي للقرآن فكان أقدم من عرفناه وهو بدايتنا.


الشيخ علي محمود (إمام المنشدين والقراء)مواليد القاهرة (1878 - 1946)



قارئ مسجد الحسين وعرف بأشهر وأقدم صوت للآذان باداء محفور في الوجدان، وهو معلم المشايخ محمد رفعت وطه الفشني وكامل يوسف البهتيمي ومحمد الفيومي، بالإضافة إلى شيخ الملحنين زكريا أحمد والموسيقار محمد عبدالوهاب والسيدة أم كلثوم وأسمهان.


الشيخ محمد رفعت (قيثارة السماء) مواليد القاهرة (1882 - 1950)




يحمل صوته من العذوبة والانسياب والخشوع ما يجعله ساكنا في الوجدان، وارتبط صوته بآذان المغرب في شهر رمضان، وتلاوته سواء قبل المغرب في رمضان أو مع افتتاح البث التلفزيوني او ختامه، صوته مخزن لذكرياتنا. وحرص النحاس باشا والملك فاروق على سماعه وافتتح بث الإذاعة المصرية سنة 1934م، بعد أن أفتاه شيخ الأزهر بجواز ذلك، ولما طلبته الإذاعة البريطانية بي بي سي العربية أفتاه الإمام المراغي وأخبره بأنه غير حرام، فسجل لهم سورة مريم.


الشيخ عبدالفتاح محمود الشعشاعي (الصوت المهيب) مواليد المنوفية (1890 – 1962)



يأخذك صوته إلى عالم من الخشوع والتدبر في آيات الله وملكوته، حتى ان البعض وصفه بأنه عمدة فن التلاوة، فصوته مهيب وفيه رفق وتؤده يقدر من خلالها أن يصور لك الآيات. تعلم في المسجد الأحمدي وكان قارئ مسجد السيدة نفيسة، ثم مسجد السيدة زينب وثاني قارئ في الإذاعة، قرأ في مأتم سعد زغلول، وعدلي يكن. أول من تلا القرآن بمكبرات الصوت في المسجد الحرام والمسجد النبوي ووقفة عرفات من عام 1948 م. وزار العراق عام 1954.


الشيخ مصطفى إسماعيل (صاحب المقام الرفيع) مواليد الغربية (1905 - 1978)



أول ما انتبهت له كان من خلال حلقة عمار الشريعي عنه في برنامجه الشهير غواص في بحر النغم، وقد فصل قدراته الصوتية وانتقالاته بين المقامات بشكل جعلني شغوفا به، له اداء مؤثر، فينتقل بين المقامات، ليجسد الآيات وسمي ملك المقامات والحنجرة الذهبية، حيث، استخدم النغمات والمقامات في تلاوته بطريقة استحوذت على إعجاب المستمعين، وكان ينتقل بسلاسة من نغمة إلى أخرى، ويعرف قدراته الصوتية بشكل جيد، ليستخدمها فی الوقت المناسب.


التحق بالمعهد الأحمدي، كان قارئ مسجد الحسين وكان قارئًا للقصر الملكي وكرَّمه عبدالناصر وقرأ في المسجد الأقصى ليلة الإسراء والمعراج. كان الرئيس السادات من المحبين لصوته وحكي أنه كان يقلد طريقته في التلاوة عندما كان مسجونًا.


الشيخ محمود خليل الحصري (شيخ مشايخ القراء) مواليد الغربية (1917 - 1980)



كنت أراه في جلسته الوقورة مع بداية أو نهاية البث التلفزيوني وخلفه الزخارف الإسلامية بألونها الزاهية، ينساب صوته بالقراءة المنضبطة المتقنة والتي رشحته ليلقب بحارس القرآن فهو مدرسة اتقان التجويد وشيخ عموم المقارئ المصرية، صوته يريح القلب ويجعلك تتدبر في الآيات. واستعنت بالمصحف المعلم بصوته في مراجعة السور مع ابني، كان قارئا للمسجد الأحمدي ومسجد الحسين، وأجاد القراءات العشر وسجل المصحف المرتل بروايات عدة وسجل المصحف المعلِّم - والمصحف المفسر (مصحف الوعظ). له العديد من المؤلفات منها أحكام قراءة القرآن الكريم، وغيرها. واصطحبه الرئيس عبدالناصر في زيارة الهند وزار العديد من دول العالم وكرم بأرفع الأوسمة.


الشيخ مُحَمَّد صِدِّيق الْمِنْشَاوي (الصوت الباكي) مواليد سوهاج (1920 - 1969)



صاحب مدرسة في الترتيل والأداء الخاشع، وكأن صوته يساعد على تصفية الذهن ففي قراءته وضوح وجمال عذب وانفعال متفرد يجعلك تتدبر الآيات بالإضافة لإتقانه المقامات، والمصحف المعلم بصوته مفيد للأطفال مُعينا للحفظ.


قارئ مسجد الزمالك، سجل ختمة مرتلة، وأخرى مجودة للإذاعة. تلا القرآن في المساجد الرئيسية في العالم الإسلامي، كالمسجد الحرام، والمسجد النبوي والمسجد الأقصى. زار العديد من دول العالم وحصل على أرفع الأوسمة.


الشيخ كامل يوسف البهتيمي (الحنجرة الفولاذية) مواليد القليوبية (1922 - 1969)



تراه في تسجيلاته التلفزيونية القديمة بالأبيض والأسود شيخا يضع كفه على أذنه وخده ويهتز اهتزازات، استجمع كل حواسه في صوته ويقرأ أمامه المصحف قد لا تلتفت لشيء في المشهد لكن تفاجأ بصوت يسحبك من الصفاء إلى الحدة واهتزازة خفيفة تضعك في موضع شجن سحري، عرف بالصوت الأبيض.


هو مقرئ القصر الجمهوري. وكان قارئاً لمسجد عمر مكرم، من أوائل قراء الإذاعة وعاش ثلاث سنوات بفلسطين قبل 1943، وقام خلال فترة أسفاره العديدة بتسجيلات قرآنية نادرة في إذاعات الدول العربية، وأقيمت له جنازة عسكرية مهيبة.


الشيخ أبو العينين شعيشع (النبرة الحزينة) مواليد كفر الشيخ (1922 - 2011)



تسمعه، فيملك قلبك ويدخلك لحالة روحانية نادرة ورشحته نبرته الرهيفة ليلقب بملك مقام الصبا وصاحب المقام الحزين. قارئ مسجد عمر مكرم ومسجد السيدة زينب، وهو أقرب الأصوات لصوت الشيخ رفعت واستعانت به الإذاعة لتعويض الانقطاعات في تسجيلات الشيخ رفعت.


وكان نقيبا للقراء.


الشيخ محمود علي البنا (صاحب الصوت الشجي) مواليد المنوفية (1926 - 1985)



صوته الشجي القوي الآسر يوقفني كلما فتحت إذاعة القرآن الكريم بتلاوته العذبة وصوته الملائكي، كان سفيرا للقرآن وزار العديد من البلدان.


تعلم بالمسجد الأحمدي، ودرس علوم المقامات، قارئ مسجد الحسين، المسجد الأحمدي.


الشيخ عبدالباسط عبدالصمد (حنجرة السماء) (1927 - 1988) مواليد أرمنت



صاحب صوت قوي يأسرك بقراءته، ينفذ إلى مشاعرك بصوت منغم دقيق في الانتقال بين المقامات وفي نفس الوقت يحتفظ بطول النفس، هو مدرسة في التجويد، ويتم تداول مقاطع صوتية منذ ظهور الانترنت تبرز مدى روعة صوته، حيث ترك تراثا غنيا، لُقّب بصوت مكة، الصوت الندي الحنجرة الذهبية. قارئ مسجد الشافعي، ثم مسجد الحسين، ترك للإذاعة ثروة من المصحفين المرتل والمجود، جاب بلاد العالم سفيرًا لكتاب الله، وكان أول نقيب لقراء مصر.


الشيخ محمد محمود الطبلاوي (سلطان التلاوة) مواليد المنوفية (1934 - 2020)



قبل صلاة الجمعة كنا نشغل التلفاز لنسمع الطبلاوي، حيث الانتقال للبث المباشر، الشيخ الجليل يجلس على الكرسي المذهب خلفه الأيوان، يصاعد صوته الرخيم الوقور المحبب، كان سفيرا للقرآن واشتهر بسلطان التلاوة وقارئ الرؤساء والملوك، وقيل عنه آخر حبة في عقد عباقرة دولة التلاوة المصرية. سجل القرآن كاملا وقرأه داخل الكعبة الشريفة، وكان نقيبا للقراء.


الشيخ عنتر سعيد مُسَلَّم ( كروان الشعب) مواليد قطور، محافظة الغربية (1936 - 2002)



كنت أتحدث مع صديق أكاديمي عن القدرات الصوتية لمشايخ القراء المصريين، فلفت انتباهي للشيخ «عنتر مسلم»، ورحت أبحث عن تسجيلاته، لما سمعته تذكرته فورا هذا الصوت القادم من ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي كان يملأ المقاهي ووسائل النقل العام ومحال الحرفيين والأسواق والمآتم، صوته نقلني عبر الزمن لحنين ظل معي حتى كتابة هذه السطور، قدرته فائقة يجمع بين الحس الموسيقي والخشوع الديني، يدخلك في معنى آيات الترغيب والترهيب، وبمهارة ينتقل بين المقامات الموسيقية والقراءات المعروفة لتتخلل قراءاته صيحات المحبين.


تساءلت عنه لأجده من قرية قطور مجاورة للمدينة التي نشأت فيها- المحلة الكبرى - وذلك يبرر معرفتي المبكرة له، لكن لماذا لا نسمعه في الإذاعة ولا في التلفاز ولا مرة؟!


لك عزيزي القارئ أن تتخيل معي أن هذا المقرئ الضرير لم يترك قريته ولم يكن قارئا ثابتا في مسجد كبير، ولم يحتف به ولم يكن كثير الأسفار سوى أثناء الحج، لكن شهرته كانت شعبية فائقة! تنقل بين القرى والمدن في المناسبات الدينية فقط.


وصفه الكاتب محمود السعدني بأنه «نبتة إلهية» في دولة التلاوة. وأُلفت عنه الكتب، فهو قد أجاد النطق بمخارج الحروف الصحيحة والعزف على الآلات الموسيقية حتى تمكن من علم النغم ودرس القراءات العشر، وقام بالإنشاد الديني في الموالد والليالي، وتميز في قراءته بصوت كرواني نادر، وانتشر عبر أشرطة «الكاسيت» بشكل واسع في العالم الإسلامي كسفير لدولة التلاوة رغم تحفظ البعض على طريقته لانتقاله بين القراءات المختلفة والمقامات في آن واحد. عرف الشيخ عنتر مسلم بين الناس بنفس لقب الشيخ رفعت «قيثارة السماء»، كما عرف بـ «مقرئ الغلابة» و«الكروان».


* روائي شاعر وكاتب مصري


المقال الأصلي في صحيفة القبس اضغط هنا



صالح الغازي يكتب :الجيل الذهبي لتلاوة القرآن الكريم في مصر

#تلاوة_القرآن_الكريم

#القرآن_الكريم



مشاركة مميزة

بروفايل صالح الغازي

       الشاعر والروائي صالح الغازي  صالح الغازي - روائي وشاعر صدر له 14 كتاب - عضو اتحاد كتاب مصر. - عضو أتيليه القاهرة للكتاب والفنانين. - ...