الصدمة والتحريض على التأمل في فيلم صراط ، مقال: صالح الغازي

 

لفت انتباهي في دور السينما من أفلام العيد فيلم مختلف باللغة الاسبانية،

 ،(بالإسبانية: Siret)

 إنتاج فرنسي-إسباني مشترك اسم الفيلم بالعربي  صراط، فاز في مهرجان كان 2026 بجائزة لجنة التحكيم و جائزة أفضل موسيقى تصويرية، الفيلم عن رجل (يؤدي دوره سيرجي لوبيز) يرافقه ابنه الطفل استيبان (برونو نونيز) الذي يصحب كلبه، قدما بسيارتهم من أوروبا إلى المغرب حيث منطقة جبلية في عمق الصحراء يقام فيها حفلا موسيقيا ليبحث فيه عن ابنته المراهقة التي تركت البيت يوزع أوراق مطبوع عليها صورتها لكن لم يجدها ولم يتعرف عليها أحد، وأخلت قوات الجيش المنطقة ومنعت الحفل وسط أنباء اعلان قيام الحرب العالمية الثالثة.

ارشدته الفتاة جيد (الممثلة جيد أوكيد) أن هناك حفلا تالي قرب حدود موريتانيا سيتوجهون هناك واستنتجت أن ابنته قد تتواجد هناك، وجد الأب فريق الرحل سيتنقلون إلى هناك فطلب ان يرافقهم اقتناعا بكلام جيد لكنهم حذروه من صعوبة الرحلة والطريق وعرة والخسائر كبيرة لكنه أصر أملا في الوصول لابنته.

الرحالة مجموعة رجال وسيدات وكلب آخر ويذكر على الشاشة أن المقصود ب (صراط) الخط المتعارف عليه كما ورد في العقيدة الإسلامية.

الصحراء الصافية وضوء الشمس الساطع وموسيقى التكنو التي تفاجئنا بسطوتها على فضاء الفيلم والأحداث ورغم أنها ليست جميلة في حد ذاتها لكنها جزء من توترات الدراما وتبرر بطلة الفيلم (جيد) منطق التفريق بين الموسيقى التي نسمعها وموسيقى التكنو الموجودة في الفيلم فتقول "هذه الموسيقى  لم تصمم للسماع والطرب إنما الرقص معها"  فالفريق يرقص بطريقة التحاور بين الجسد والصوت كأنهم يذوبون مع الموسيقى بحركات الجسد، بينما الرجل الدخيل عليهم جسده جامد لا يتحرك مثلهم ، فهو ببساطة لم يتخفف من الحياة.

 أول ما يفقد الأب في الرحلة النقود في مقابل الحصول على ماء وبنزين ورغم حرصه على الطعام والشكولاتة لزوم طعام الطفل ومكافأته لكنه اضطر لمشاركتها مع الفريق ليكون طعامهم مشترك بعد أن وجد عائق بحيرة مائية يستحيل عبورها وكاد يفقد سيارته لكنهم  ساعدوه بشاحنتهم الكبيرة، وجروها وانتشلوها. و بينما هم فوق مرتفعات شاهقة الارتفاع علقت إحدى شاحناتهم وتعاونوا لإنقاذها وقتها خاف الأب على الطفل وطلب منه أن يركب سيارته وتوجه الطفل والكلب وما ان ركب

 للاحتماء بها  لكن السيارة انزلقت وظل يصرخ فيه أن يمسك فرامل اليد لكن سقط الطفل وكلبه

 وانفجرت بهم السيارة وكاد الأب يجن ولا مجال للنزول له في الهوة حتى ليدفنه، هكذا يكمل الرجل  مع الفريق بعد أن فقد طفله الجميل ، وبينما هو منهار ويجري في الصحراء بدون هدف ليجدوا مساحة أرض منبسطة  فينصبوا السماعات وبينما الفتاة (جيد) ترقص على الموسيقى  وتصرخ "لتنفجر الأرض من الموسيقى"، والمفاجأة أن تنفجر الأرض فعليا وتقتل (جيد) ليكتشفوا أنهم في حقل ألغام من مخلفات الحرب، ويقتلوا واحد تلو الآخر من الألغام  منهم رجال وفتيات معاقون وأصحاء، وكلبهم وسياراتهم الجميع تفجرهم الألغام بينما ينجو من يغمض عينيه ويمشي وينجو الأب وهو يخطط ويفكر ويتوقع أفضل طريق لنصف الوقت وفي النصف الآخر يمشي بشكل عشوائي. 

وينتهي الفيلم بركوب ثلاثة ناجين منهم الممثلة الرائعة( بستيفانيا غادا) في دور ستيف ومنهم الأب ليلحقوا قطار يشق الصحراء فيه مجموعة مختلفة من البشر يمشي على الخط.

لم يتطرق الفيلم إلى تفاصيل حياتهم ولا خلفياتهم ولا علاقاتهم ولا إلى الحوار الداخلي بين كل واحد ونفسه في هذه المواقف الوجودية،إنما أفرد مساحة كبيرة للموسيقى والصحراء وحركة الكاميرا التسجيلية الناعمة لمشاعر الممثلين وطالطبيعة الصحراوية.

لنجد الرحلة الروحانية الفلسفية تنتقل إلى أعماق  نفس المشاهد وروحه وعقله من ناحية والصحراء والموسيقى وتحدي الطبيعة من ناحية ليضع المشاهد تجربته في البحث والفقد والتجاوز وهذه طريقة تحاورمميزة للغوص في أعماق الذات.

 ما نريده ونجتهد لتحقيقه وما نفقده في الرحلة، التأمل الصادم وحافة النهاية.

لذلك لم يشغلنا الفيلم بذكر التفاصيل ولم يحفزنا للتفكر في أسئلة صغيرة مثل هل أخطأ الأب أساسا في البحث عن ابنته المراهقة؟ وما تفاصيل خلافه مع ابنته؟ هل كان من المفترض أن يتركها لتجربتها بدلا من أن يزج بنفسه وطفله في تجربة؟ هل الحرب تضعنا على حافة الهاوية؟  هل نحن نفرط في حياتنا؟ من هم أبطال الفيلم؟ ما قصة كل واحد فيهم؟

الفيلم لم يستعرض قصص الأبطال، لكنه رصد فقط تفاصيل وجودهم هذه اللحظة. حتى لم يحدد دياناتهم أو  أي معلومات عنهم.

الرجل لم يعثر على ابنته ولم تظهر لنا البنت وفقد ابنه وماله واختبر أفكاره ووجدها لم تنجيه، والنجاة جزء منه  بالتخطيط وجزء مصادفة قدرية.

إنه فيلم فلسفي متوحش، ورؤية درامية صادمة، صنع على مستوى فني معاصر ومختلف، تميزت كل عناصره وأبرزهم فريق التمثيل و اختيار الصحراء الملهمة و المونتاج دقيق ولا يوتر المشاهد والملابس البسيطة بألوانها الزاهية الصافية عند الأب والداكنة عند جيد والماكياج البرئ العادي والوشم على الجسد. والجسد الصحيح والمعاق والإنسان والحيوان والطبيعة التي تستطيع أن تقهر الانسان  والحرب القاسية، والانسان الضعيف والمتغطرس.

فيلم وجودي يحرض المشاهد أن يتوقف أمام نفسه بمزيد من المسئولية والجدية. خرجت من الفيلم أريد التعرف عن الدوافع وراء انتاج هذا الفيلم.

وجدت  حوار تليفزيوني للمخرج  وهو شاب فرنسي يعمل مخرج وممثل وكاتب سيناريو  اسمه   "أوليفر لاكس" من أصل بولندي، ليس مسلما ولا عربيا، وقد شارك في كتابة الفيلم  فهو مشروعه و أن حياته في المغرب لبعض الوقت عرفته الكثير عن الثقافة الاسلامية وكان الحافز لعمل هذا الفيلم هو ما ذُكر عن الموت في العقيدة الإسلامية ليقدمها في  رؤيته الفنية.

روائي وكاتب مصري

رابط المقال الأصلي في صحيفة القبس اضغط هنا





#Oliver_Laxe
#فيلم_صراط
#Sirāt
#Maroc
#hoylunes, #jorge_alonso_curiel, #sirat, #oliver_laxe,

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

بروفايل صالح الغازي

       الشاعر والروائي صالح الغازي  صالح الغازي - روائي وشاعر صدر له 14 كتاب - عضو اتحاد كتاب مصر. - عضو أتيليه القاهرة للكتاب والفنانين. - ...